المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٣
الأوّل أن يجلس بين يدي بصير بعيوب النفس،
مطلع على خفايا الآفات و يحكّمه على نفسه و يتّبع إشارته في مجاهدته، و هذا قد عزّ في هذا الزّمان وجوده.
الثاني أن يطلب صديقا صدوقا بصيرا متديّنا
فينصبه رقيبا على نفسه ليراقب أحواله و أفعاله، فما يكرهه من أخلاقه و أفعاله و عيوبه الباطنة و الظاهرة ينبّهه عليه، فهكذا كان يفعل الأكابر من أئمّة الدّين كان بعضهم يقول: «رحم اللّه امرأ أهدى إليّ عيوبي» [١]، و كلّ من كان أوفر عقلا و أعلى منصبا كان أقلّ إعجابا و أعظم اتّهاما لنفسه، إلّا أنّ هذا أيضا قد عزّ، فقلّ في الأصدقاء من يترك المداهنة فيخبر بالعيب أو يترك الحسد فلا يزيد على القدر الواجب، فلا يخلو أصدقاؤك عن حسود، أو صاحب غرض يرى ما ليس بعيب عيبا، أو عن مداهن يخفي عنك بعض عيوبك، لهذا كان داود الطائيّ قد اعتزل عن الناس فقيل له: لم لا تخالط الناس؟
قال: ما ذا أصنع بأقوام يخفون عنّي ذنوبي.
فقد كانت شهوة ذوي الدّين أن ينبّهوا على عيوبهم بنصيحة غيرهم، و قد آل الأمر إلى أمثالنا و أبغض الخلق إلينا من ينصحنا و يعرّفنا عيوبنا و يكاد أن يكون هذا مفصحا عن ضعف الإيمان فإنّ الأخلاق السيّئة حيّات و عقارب لدّاغة و لو نبّهنا منبّه على أنّ تحت ثوبنا عقربا لتقلّدنا منه منّة و فرحنا به و اشتغلنا بإبعاد العقرب و قتلها، و إنّما نكايتها على البدن و يدوم ألمها يوما فما دونه، و نكاية الأخلاق الرّديّة على صميم القلب، و عسى أن يدوم بعد الموت أبدا أو آلافا من السنين، ثمّ إنّا لا نفرح بمن ينبّهنا عليها و لا نشتغل بإزالتها بل نشتغل بمقابلة الناصح بمثله و نقول أنت أيضا تصنع كيت و كيت و تشغلنا العداوة معه عن الانتفاع بنصحه و يشبه أن يكون هذا من قساوة القلب الّتي أثمرته كثرة الذّنوب، و أصل كلّ ذلك من ضعف الإيمان، فنسأل اللّه تعالى أن يعرّفنا رشدنا، و يبصّرنا بعيوب أنفسنا، و يشغلنا بمداواتها و يوفّقنا للقيام بشكر من يطّلعنا على مساوينا بمنّه و فضله.
الطريق الثالث أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من لسان أعدائه
فإنّ عين السخط
[١] راجع تحف العقول ص ٣٦٦.
المحجة