المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠٦
و ألزمت المواظبة عليه بل ميل النفس إلى هذه الأمور الشنيعة خارج عن الطبع يضاهي الميل إلى أكل الطين و قد يغلب على بعض الناس ذلك بالعادة، فأمّا ميلها إلى الحكمة و حبّ اللّه تعالى و معرفته و عبادته فهو كالميل إلى الطعام و الشراب فهو مقتضى طبع القلب فإنّه أمر ربّاني، و ميله إلى مقتضيات الشهوات غريب من ذاته، عارض على طبعه، و إنّما غذاء القلب الحكمة و المعرفة و حبّ اللّه تعالى:
و لكن انصرف عن مقتضى طبعه بمرض حلّ به كما يحلّ المرض بالمعدة فلا تشتهي الطعام و الشراب و هما سببا حياتها، فكلّ قلب مال إلى حبّ شيء سوى حبّ اللّه فلا ينفكّ عن مرض بقدر ميله إلّا إذا أحبّ ذلك الشيء لكونه معينا له على حبّ اللّه تعالى و على دينه، فعند ذلك لا يدلّ ذلك على المرض فإذن قد عرفت بهذا قطعا أنّ هذه الأخلاق الجميلة يمكن اكتسابها بالرّياضة و هي تكلّف الأفعال الصادرة عنها ابتداء لتصير طبعا انتهاء، و هذا من عجيب العلاقة بين القلب و الجوارح أعني النفس و البدن، فإنّ كلّ صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح حتّى تتحرّك لا محالة على وفقها و كلّ فعل يجري على الجوارح فإنّه يرتفع منه أثر إلى القلب، و الأمر فيه دور يعرف ذلك بمثال.
و هو أنّ من أراد أن يصير الحذق في الكتابة صفة له نفسيّة حتّى يصير كاتبا بالطبع فلا طريق له إلى ذلك إلّا أن يتعاطى بجارحة اليد ما يتعاطاه الكاتب الحاذق و يواظب عليه مدّة طويلة و هو حكاية الخطّ الحسن فإنّ فعل الكاتب هو الخطّ الحسن فيتشبّه بالكاتب تكلّفا، ثمّ لا يزال يواظب عليه حتّى يصير ذلك صفة راسخة في نفسه فيصدر منه في الآخر الخطّ الحسن طبعا كما كان يصدر منه في الابتداء تكلّفا، فكان الخطّ الحسن هو الّذي جعل خطّه حسنا و لكن الأوّل بتكلّف إلّا أنّه ارتفع منه أثر إلى النفس، ثمّ انخفض من النفس اثر إلى الجارحة، فصار يكتب الخطّ الحسن بالطبع، و كذلك من أراد أن يصير فقيه النفس فلا طريق له إلّا أن يتعاطى أفعال الفقهاء و هو التكرار للفقه حتّى ينعطف منه على قلبه صفة الفقه فيصير فقيه النفس فكذلك من أراد أن يصير سخيّا عفيفا حليما متواضعا فيلزمه أن يتعاطى أفعال هؤلاء
المحجة