المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠٢
وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ [١] و لم يقل: و الفاقدين الغيظ، فردّ الغضب و الشهوة إلى الاعتدال بحيث يقهر واحد منهما العقل و لا يغلبه، بل يكون العقل هو الضابط لهما و الغالب عليهما ممكن. و هو المراد بتغيير الخلق فإنّه ربما تستولى الشهوة على الإنسان بحيث لا يقوى عقله على دفعها عن الانبساط إلى الفواحش، و بالرّياضة تعود إلى حدّ الاعتدال، فدلّ على أنّ ذلك ممكن و التجربة و المشاهدة تدلّ على ذلك دلالة لا يشكّ فيها، و الّذي يدلّ على أنّ المطلوب هو الوسط في الأخلاق دون الطرفين أنّ السخاء خلق مطلوب شرعا و هو وسط بين طرفي التبذير و التقتير و قد أثنى اللّه تعالى عليه.
فقال: وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً [٢].
و قال تعالى: وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [٣] و كذلك المطلوب في شهوة الطعام الاعتدال دون الشره و الخمود قال اللّه تعالى:
كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا [٤].
و قال تعالى في الغضب: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [٥].
و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «خير الأمور أوساطها» [٦] و هذا له سرّ و تحقيق و هو أنّ السعادة منوطة بسلامة القلب عن عوارض هذا العالم، قال اللّه تعالى: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [٧] و البخل من عوارض الدّنيا و الجود أيضا من عوارض الدّنيا و شرط القلب أن يكون سليما بينهما أي لا يكون ملتفتا إلى المال و لا يكون حريصا على إنفاقه فإنّ الحريص على الإنفاق مصروف القلب إلى الإنفاق كما أنّ الحريص على الإمساك مصروف القلب إليه، فكان كمال القلب في أن يصفو عن الوصفين جميعا
[١] آل عمران: ١٣٤.
[٢] الفرقان: ٦٧.
[٣] الاسراء: ٢٩.
[٤] الأعراف: ٣٠.
[٥] الفتح: ٢٩.
[٦] أخرجه البيهقي في الشعب من رواية مطرف بن عبد اللّه معضلا كما في المغني.
[٧] الشعراء: ٨٩.
المحجة