كتاب وعتاب - قيس بهجت العطار - الصفحة ٣٤
اعتمدوا أدلّة كثيرة وشواهد روائية وتاريخية، ومن شاء فليراجع كتبهم، ك"تدوين السنة الشريفة" و"منع تدوين الحديث" والاخير عنى بتوضيح هذه المسألة وما تلتها من مسائل في الشريعة، فإنّه جاء بنظرة جديدة، وطَرَحَ أفكاراً وآفاقاً لم تطرق من قبل حول عبدالله بن مسعود وموقفه من المنع، وتناول رواياته كلّها في تقييد العلم بالبحث والخروج بالنتيجة[١]، فادّعاء الاعتماد على رواية علقمة عن ابن مسعود فقط كذب ومجافاة للواقع.
وخامسها: وهي الجهة المخصوصة بالأهمية في هذا الموضع من بحثنا، أنّ الشربيني نفسه ناقض نفسه في دعوى أنّ أكثر الصحابة أعراب لا يميّزون بين القرآن والسنة، حيث قال وهو بصدد ذكر مصادر الأحكام في الصدر الأول:
القرآن الكريم، وهو المصدر الأول لهذا الدين وعمدة الملة، وكانوا يفهمونه واضحاً جليًّا، لأنّه بلسانهم نزل، مع ما امتازوا به من معرفة أسباب نزوله[٢].
فكيف انقلب الصحابة الأعراب ـ حسب زعمه ـ الذين لم يكونوا فقهوا الدين، إلى فاهمين أوضح الفهم وأجلاه، وإلى عارفين بأسباب النزول؟! وإذا كان نزل بلسانهم وعرفوا بلاغته وإعجازه فكيف استحال عليهم التفريق والتمييز بينه وبين كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟!
وحين تطرق لموضوع جواز الرواية بالمعنى ـ ليرّد على من قال أنّ الرواية بالمعنى من النتائج السلبية لمنع التدوين ـ ذكر مالازمُهُ عِلْمُ الصحابة والتابعين بوجوه اللغة وخصائصها ومميزاتها، وهذا يقتضي أنّهم لا يعسر عليهم التمييز بين القرآن والسنة، فيبطل تبريره منع التحديث والكتابة والتدوين بأنّه كان خوف الاختلاط.
قال: ومن المعلوم أنّ للعلماء في رواية الحديث بالمعنى مذاهب عدة، نستخلص منها مذهبين: المذهب الأول: إنّ رواية الحديث بالمعنى لا تجوز لمن لا يعلم مدلول الألفاظ في اللسان العربي ومقاصدها وما يحيل معناها، والمحتمل من غيره، والمرادف[٣] منها.... أما من
[١] انظر منع تدوين الحديث:٧٢ ـ ٨١.
[٢] انظر كتابه ١:٣١٠.
[٣] كذا في كتابه، والصواب "والمترادف".