كتاب وعتاب - قيس بهجت العطار - الصفحة ١٣٦
السقيفة، ولم يتسنّ لهم التغيير والإنكار.
٤ ـ كما انّ هذا الحديث لا يشمل المخلصين الذين كانوا في جيش أسامة و لا زموه امتثالا لأمر النبي (صلى الله عليه وآله) حيث قال: لعن الله من تخلف عن جيش أسامة، فلم يكونوا كمن ترك الجيش وتسلل إلى المدينة لأغراض لهم خلف الستار.
فقد علمت أنّ الاثني عشر الذين أنكروا على أبي بكر جلوسه في مقام النبي كانوا غُيّباً عند وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) ، فلمّا علموا بالمؤامرة أنكروا أشد الانكار، فالحديث له انصراف عن مثل هذه الشرائح الطيبة من الصحابة.
٥ ـ كما أنّ الحديث منصرف عن أمثال الحسن والحسين وفاطمة (عليهم السلام) وفضّة والفضل ابن العباس وباقي المتحصنين في دار فاطمة (عليها السلام) وبني هاشم، الذين لم يرضوا بحكومة أبي بكر بن أبي قحافة.
٦ ـ ومن كل ذلك يتضح لكَ أنّ المذكورين من الصحابة على الخصوص هم ذروة الذروة العليا، وخالصة الطبقة الخالصة من الصحابة، فهم "الذين دارت عليهم الرحا" و "الذين مضوا على منهاج نبيهم لم يغيروا ولم يبدلوا" و "أمثالهم"، خصوصاً إذا عرفت أنّ الأربعة الذين هم لبُّ اللباب لم تكن لهم عشائر وقوى تعاضدهم، بل كانوا ضعفاء مغلوبين على أمرهم، ومع ذلك وقفوا وقفة المؤمنين الصناد يد (كأنّهم بنيانٌ مرصوصٌ)، فسلمان رجل فارسي عاش بين ذئاب قريش وقبليتها ونزعتها للسلطة واحتقارها للأمم الأخرى، والمقداد بن عمرو الكندي كان من سكان حضر موت، فوقَعَ بينه وبين ابن شمر ابن حجر الكندي خصام، فنزح إلى مكّة، فتبنّاه الأسود بن عبد يغوث الزهري[١]، فلم يكن أهله وإخوانه وأعمامه وأبناء عمومته في المدينة، بل كان غريباً مفرداً فيها، وأبوذر الغفاري لما نفاه عثمان إلى الربذة لم يجرؤ على مشايعته الى أطراف المدينة إلاّ أميرالمؤمنين والحسنان: بعد نزاع ومشادة لهم مع مروان الممثِّل لعثمان. وأمّا عمار فلا يخفى ما حل به وبأبويه من ظلم
[١] طبقات ابن سعد ٣: ٤٣، سير اعلام النبلاء ١: ٣٨٥.