كتاب وعتاب - قيس بهجت العطار - الصفحة ٢١٨
وتقول: لا أرى به باساً؟! والله لا يظلني واياك سقف أبداً[١].
نقل الشربيني ذلك وهو في معرض القول بأنّ الصحابة أناس أشربت قلوبهم بحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسنته المطهرة، وعمّي على القرّاء حقيقة أنّ "فلانا" هو معاوية بن أبي سفيان، الذي كان يشجع الربا ونبتت أعضائه على ربا أبي سفيان.
فقد أخرج ابن عساكر من طريق الحسن، قال: كان عبادة بن الصامت بالشام، فرأى آنية من فضة، يباع الإناء بمثله مع ما فيه، أو نحو ذلك، فمشى اليهم عبادة فقال: ايها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فانا عبادة بن الصامت، ألا وإني سمعت رسول الله في مجلس من مجالس الانصار، ليلة الخميس في رمضان ـ ولم يصم رمضان بعدهـ يقول: الذهب بالذهب مثلا بمثل، سواء بسواء، وزناً بوزن، يداً بيد، فما زاد فهو ربا.
قال: فتفرق الناس عنه، فأتى معاوية فأخبر بذلك، فأرسل إلى عبادة فأتاه، فقال له معاوية: لئن كنت صحبت النّبي (صلى الله عليه وآله) وسمعت منه، لقد صحبناه وسمعنا منه، فقال له عبادة: لقد صحبته وسمعت منه، فقال له معاوية: اسكت عن هذا الحديث ولا تذكره[٢]...
وفي رواية البيهقي: فبلغ ذلك معاوية فقام خطيباً، فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحاديث كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه؟! فقام عبادة بن الصامت فأعاد الرواية، ثم قال: لنحدّثنّ بما سمعنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإن كره معاوية، أو قال: وإن رغم، ما أبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء[٣].
فهذا معاوية المجتهد!!! أمام صريح سنة النّبي (صلى الله عليه وآله) لا يرى بأساً بالربا، ويدعى أنه لم يسمع ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، مع أنّ النّبي حارب الربا وحرّمه منذ بدايات دعوته ورسالته المباركة، وفصّل شرائطه بما فيه الكفاية، فهو معارض بكل وقاحة لصريح السنة النّبوية، ومع ذلك يصفه الشربيني الوهابي بأنّه الخليفة الصالح، وأن دولته ـ كما قال ابن خلدون ـ
[١] كتابه ١: ٣١٢. نقلا عن الدارمي في سننه ١: ١٢٩/ ح ٤٤٣.
[٢] تاريخ دمشق ٢٦: ١٩٩.
[٣] السنن الكبرى ٥: ٢٧٧. وانظر تفسير القرطبي ٣: ٣٥.