كتاب وعتاب - قيس بهجت العطار - الصفحة ٢٩
في الإذن لهم بالكتابة، وهذا بيّن البطلان بناء على مسلكه.
ورابعها: إنّ الأعراب أصفى قريحة، وأشدّ ذكاء، وأعلم الناس بالكلام، لبعدهم عن الاختلاط بالشعوب الأخرى، ونأيهم عن المدنية التي تعكّر صفو القرائح، فكان إدراكهم لعظمة القرآن وأسلوبه وإعجازه مشهوداً.
قال الأصمعي: قرأت هذه الآية (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله)[١] وإلى جنبي أعرابي، فقلت: "والله غفور رحيم" سهواً، فقال الأعرابي: كلامُ من هذا؟ قلت: كلام الله، قال: أَعِدْ، فأعدتُ "والله غفور رحيم"، فقال: ليس هذا كلام الله، فتنبهت فقلت (والله عزيز حكيم)، فقال: أصبتَ هذا كلام الله، فقلت له: أتقرأ القرآن؟ قال: لا، قلت: فمن أين علمت أنّي أخطات؟ فقال: يا هذا عزَّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحمَ لمَا قطع[٢].
ويكفي دليلاً على ذلك قول الوليد بن المغيرة المخزومي لما سمع بعض القرآن ـ وهو من المشركين، ولم يدخل الإسلام قلبه، ولا أنس بكلام الله، ولا حفظه، ومات على زندقته ـ: والله لقد سمعت منه كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمغدق، وانه ليعلو ولا يُعلى عليه، وما يقول هذا بَشَرٌ[٣].
فالحالة الطبيعية عند العرب والأعراب منهم هي هذه القوة في البلاغة والأدب والتمييز بين الكلام الجاري مجرى كلام العرب وبين الكلام المعجز من الله تبارك وتعالى.
نعم، كان هناك نفر قليل خانتهم الحافظة، وكانوا مصابين بشيء من العجز الذهني، لكن لا يمكن أن تعطّل مسيرة شريعة وأمّة من أجل قلة لا يفقهون، ولا يمكن أن يقنَّنَ قانونٌ
[١] المائدة:٣٨.
[٢] زاد المسير ٢:٢٧٤.
[٣] تفسير القرطبي ١٩:٧٤.