كتاب وعتاب - قيس بهجت العطار - الصفحة ١٣٩
فقال عمر: بخ بخ يا أبا الحسن، لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، فهذا تسليم ورضىً وتحكيم، ثم بعد هذا غلب الهوى ـ لحبّ الرياسة وحمل عمود الخلافة، وعقد البنود، وخفقان الهواء في قعقعة الرايات، واشتباك الخيول، وفتح الأمصار ـ فسقاهم كأس الهوى، فعادوا إلى الخلاف الأوّل، فنبذوا الحق وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون.[١]
وقد روي هذا المضمون عن حذيفة بن اليمان (رضي الله عنه) ، حيث نقل السيد علي بن طاووس الحسني، عن كتاب "حجة التفضيل" للأثير، بإسناده عن ربيعة السعدي، قال:
كان حذيفة والياً على المدائن، فلما صار عليٌّ أميرَالمؤمنين، كتب لحذيفة عهداً يخبره بما كان من أمره وبيعة الناس إياه، فاستوى حذيفة جالساً ـ وكان عليلا ـ فقال: قد والله وَلِيَكُمْ أميرالمؤمنين حقّاً ـ قالها ثلاثا ـفقام اليه شابّ من الفرس متقلّداً سيفاً، فقال: أيها الأمير أتاذن لي في الكلام؟ قال: نعم، قال: اليومَ صارَ أميرَالمؤمنين أو لم يزل أميرَالمؤمنين؟ فقال حذيفة: بل لم يَزَل ـ واللهِ ـ أميرَالمؤمنين، قال: وكيف لنا بما تقول؟ قال: بيني وبينك كتاب الله عزوجل، وإن شئت حدثتك ذلك لِعَهْد عليَّ بيني وبينك، فقال الشابّ: حدّثنا يا أبا عبدالرحمن [فشرح له حذيفة بعض فضائل علي (عليه السلام) ، وأنّ جبرئيل سماه بـ "أميرالمؤمنين"]، فقال الفارسي: فأين كانت أسيافكم ذلك اليوم ـ يعني يوم بيعة أبي بكر ـ؟ قال: ويحك، تلك قلوبٌ ضُرب عليها بالغفلة، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يعملون.
قال ابن طاووس: ورأيت حديث حذيفة هذا أبسط وأكثر من هذا في "تسمية علي بأميرالمؤمنين"... [ثم ذكر إسناده عن عبيدالله بن سلمة، وفيه قول حذيفة للشاب]: أيها الفتى، إنّه أخذ والله بأسماعنا وأبصارنا، وكرهنا الموت، وزُيّنت عندنا الحياة، وسبق علم الله، ونحن نسأل الله التغمد لذنوبنا، والعصمة فيما بقي من آجالنا، فإنّه مالك ذلك.[٢]
[١] سر العالمين: ٩، وعنه في تذكرة الخواص: ٣٦. وفي الكلام الأخير اقتباس من الآية ١٨٧ من سورة آل عمران.
[٢] اليقين: ٣٨٤ ـ ٣٨٧.