كتاب وعتاب - قيس بهجت العطار - الصفحة ١٥١
وقال: قال أحمد: كل هذا صحيح، وقال إسحاق: كل هذا صحيح ولا يدعه إلاّ مبتدع أو ضعيف الرأي.
قال أبو عمر ابن عبد البر: الذي عليه أهل السنة وأئمة الفقه والأثر في هذه المسألة و ما أشبهها الإيمان بما جاء عن النبي (صلى الله عليه وآله) فيها، والتصديق بذلك، و ترك التحديد والكيفية.[١]
وهل هذا إلاّ تعطيل للفكر والتدبّر المأمور بهما، وهل هذا إلاّ مصادرة للفكر البشري، ومخالفة لضرورات الدين من أنّ جهنّم يخلد فيها الخالدون، فكيف يملؤها الربّ برجله ـ و العياذ بالله ـ؟! وكيف يصوّر نبي الله موسى (عليه السلام) بصورة مارد يحب الحياة ويفقأ عين مَلَك الموت؟!
وأعجب من ذلك أنّ الشربيني في مصر ولا بدّ أنّه رأى الاهرامات وفيها الفراعنة محنّطين، وأجسادهم بأطوالها وأعراضها، لا تختلف كثيراً عن أجسام سائر الناس اليوم، وهذه الآثار والحفريات تعرض لنا بين الحين والآخر جماجم وأجساداً عثر عليها منذ أقدم العصور، وليس فيها ولا شخصاً واحداً بهذا الحجم الذي يصفه أبو هريرة.
وأمّا حديث "خَلَق الله التربة" فقد قال فيه ابن كثير: وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم عليه علي بن المديني والبخاري، وغير واحد من الحفّاظ، وجعلوه من كلام كعب [الاحبار]، وأنّ أبا هريرة إنّما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنّما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه مرفوعاً.[٢]
فالحديث من طوامّ أبي هريرة عن كعب الأحبار اليهودي، لكن القوم آثروا المحافظة على كرامة أبي هريرة ولو على حساب القرآن والأنبياء والحقائق التي لا ينكرها إلاّ معتوه.
وإذا أردت التأكُّد من ذلك فإليك بعض مرويات أبي هريرة الأخرى، مثل "خرج موسى عرياناً فنظر بنو إسرائيل إلى سوأته"[٣] و "أمر نبي من الانبياء بإحراق قرية النمل لقرص
[١] التمهيد ٧: ١٤٧ ـ ١٤٨.
[٢] تفسير ابن كثير ١: ٧٠ / تفسير الاية ٢٩ من سورة البقرة.
[٣] انظر صحيح البخاري ٣: ١٢٤٩ / باب طوفان من السيل.