كتاب وعتاب - قيس بهجت العطار - الصفحة ١٣٧
واضطهاد قريش.
فهؤلاء المغلوبون على أمرهم، النازحون، المشردون، وقفوا بكل ثقلهم إلى جانب الحق المبين، عليّ أميرالمؤمنين (عليه السلام) ، رغم كل الظروف، ورغم أنّهم كان بوسعهم أن يميلوا إلى التقية في مثل تلك الأوقات الرهيبة، والظروف العصيبة، ولذلك خُصّوا بالذكر وكانوا في طليعة رواد الحركة المحمدية العلوية. وهذا لا يعني انتقاص الآخرين، فإنّ إثبات الشيء لا ينفي ما عداه.
٧ ـ إن الصحابة بعد النبي كانوا ثلاث فرق، فرقة وقفت مع الحق الذي هو أميرالمؤمنين (عليه السلام) وهم القلة القليلة، وفرقة تآمرت عليه من أجل السلطة وإعادة المجد القرشي إلى ما كان عليه في الجاهلية و هم مجموعة معروفة لها أتبَاع وموالي وأهداف مرسومة سلفاً، والفرقة الثالثة التي تمثل عامة المسلمين وغالبيتهم في المدينة أخذوا جانب الحياد خوفاً من سطوة النهج المخطِّط، فقد هتفت الأنصار بأجمعها في السقيفة: لا نبايع إلاّ عليا، وعارض آخرون ـ وقفتَ على بعضهم ـ حكومة الاختطاف، لكنّهم سرعان ما قتلوا أو ضغط عليهم فسكتوا ولزموا جانب الصمت.
فالمقصود بالارتداد المستمر هم الفرقة الثانية، وأمّا الفرقة الثالثة فهم الذين عبّر عنهم بـ "بَشَر كثير" و "عرف الناس بعدَ يسير" و "ثم أناب الناس بعدُ"، فإنهم ذهلوا عن اتخاذ الموقف المناسب، وكان التردد وعدم التضحية هو انتخابهم المقطعي الذي سرعان ما تركوه والتحقوا بأميرالمؤمنين (عليه السلام) .
فهل يعدّ هذا تكفيراً لكلّ الصحابة؟! وهل يعدو هذا القولُ قولَ التفتازاني:
ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ، والمذكور على ألسنة الثقات، يدلّ بظاهره على أنّ بعضهم قد حاد عن طريق الحق وبلغ حدّ الظلم والفسق، وكان الباعث له الحقد والعناد، والحسد واللداد، وطلب الملك والرياسات والميل إلى الشهوات واللذات، إذ ليس كلّ صحابيّ معصوماً، ولا كلّ من لقي النبي (صلى الله عليه وآله) بالخير موسوماً، إلاّ أنّ العلماء ـ لحسن ظنّهم بأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)