كتاب وعتاب - قيس بهجت العطار - الصفحة ١٠٢
وتمحل بتمحل آخر مفاده أنّ انفضاضهم وقع في أثناء خطبة النبي لا في صلاته، ظنّاً منه بأنّ ذلك يهوّن مخالفتهم، مع أنّ خطبتي الصلاة لا تصحّان إلاّ في الوقت، فلو خطب قبل الوقت وصلّى لم تصحّ الصلاة باتّفاق المذاهب الأربعة، وقال ابن حزم في الأحكام "إنّ خطبة الجمعة فرض تبطل الصلاة بتركها"[١]. فحكم الخطبتين الوجوب و تركهما مبطل لصلاة الجمعة، فلا فرق بين الانفضاض في الصلاة أو الخطبتين.
هذا مع أنه نقل عن الآلوسي أنّ ذلك وقع منهم مراراً، ونقل قوله أنّه "إن أريد رواية البيهقي في شعب الإيمان عن مقاتل بن حيان فمثل ذلك لا يلتفت إليه ولا يعوّل عند المحدثين عليه، وإن أريد بها غيرها فليبين، ولتثبت صحّته، وأنى بذلك". ونقول نحن: إنّ الطبري في جامع البيان روى بسنده عن قتادة مثل ذلك[٢]، وحدوث ذلك مرّة واحدة كاف في تحقق الذم والتأنيب، وحدوثه ثلاث مرات أبلغ في ذلك، والأخذ بهاتين الروايتين ترجيحاً لتأنيب القرآن والرسول، أولى من الأخذ بمرسل أبي داود ـ المصرَّح بأنّه مع شذوذه معضل ـ المدَّعي أنّ الناس "لم يظنّوا إلاّ أنّه ليس في ترك الجمعة شيءُ"، والذي رجّحه القاضي عياض ـ لا النووي كما توهّمه الشربيني ـ تحسيناً للظن بالصحابة، و أولى مما ذهب إليه ابن حجر من أن الانفضاض وقع في الخطبة تحسيناً للظن بالصحابة، مع أن صريح رواية البخاري ـ الذي هو أصح كتاب بعد كتاب الله عندهم ـ: "بينما نحن نصلي مع النبي حتّى ما بقي مع النبي إلاّ اثنا عشر رجلا".
[١] الأحكام ٣: ٢٧٦.
[٢] جامع البيان ٢٨: ٦٧ ـ ٦٨.