كتاب وعتاب - قيس بهجت العطار - الصفحة ١٠٦
الخطاب على الجزم واليقين، فدعوى أنّهم معروفون مفضوحون دعوى لا يدعمها الدليل.
لكنّ الشربيني جاء ليردّ ظهور هذا الحديث بقوله:
أما استدلالهم بحديث الحوض، وما جاء فيه من وصف الصحابة بالردة، فهذا من زندقة الرافضة ومن تلبيسهم وتضليلهم، فإنّ المراد بالأصحاب هنا ليس بالمعنى الاصطلاحي عند علماء المسلمين، بل المراد بهم مطلق المؤمنين بالنبي، المتّبعين لشريعته، وهذا كما يقال لمقلدي أبي حنيفة: أصحاب أبي حنيفة، ولمقلّدي الشافعي: أصحاب الشافعي، وهكذا، وإن لم يكن هناك رؤية واجتماع، وكذا يقول الرجل للماضين الموافقين له في المذهب "أصحابنا" مع أن بينه وبينهم عدّة من السنين، ومعرفته (صلى الله عليه وآله) لهم مع عدم رؤيتهم في الدنيا بسبب أمارات تلوح عليهم يعرفها النبي (صلى الله عليه وآله) .[١]
وهذا الجواب ظاهر فيه صرف الحديث عن ظاهره بلا حجة ملموسة، خصوصاً قول الربّ الأعلى "لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم" فإنه يدل على بدء الارتداد بعد مفارقة النبي لهم مباشرة، واستمرار ذلك "لم يزالوا" من بعده (صلى الله عليه وآله) .
بل النبيّ (صلى الله عليه وآله) نفسه كذّب هذا الجواب المصنوع، حيث أنّه سمّى الذين يؤمنون به من بعده ولم يروه "إخوانه"، وسمّى من رأوه "أصحابه"، وهاتان التسميتان جاءتا في حديث الحوض وارتداد الصحابة، حيث روى مسلم بسنده عن أبي هريرة:
إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتى المقبرة، فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين و إنّا إن شاءالله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا". قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعدُ من أمّتك يا
[١] كتابه ٢: ٩٣.