كتاب وعتاب - قيس بهجت العطار - الصفحة ٣١
وهذا لا يكون نابعاً إلاّ من قلة الحفظ والفطنة والذكاء، خصوصاً إذا لاحظت تعلم زيد بن ثابت للّغة السريانية كاملة في ستة عشر يوماً[١].
وهذا القول[٢] هو الذي ذهب إليه العلاّمة السيّد علي الشهرستاني في كتابه "منع تدوين الحديث أسباب ونتائج"، واستدل عليه بأدلة جمّة، موضحاً أنّ منع عمر من التحديث والكتابة والتدوين إنّما كان بسبب جهله الحضاري والثقافي، وأنّ عمر كان يخاف من تداول وتناقل السنة المكتوبة المدونة لأنّها تكشف عن كثير من أخطاء عمر واجتهاداته، فمنعه التدوين وأمره باقلال الحديث كان منه إخفاءً لجهله، ولينفتح له السبيل إلى تمرير وتبرير اجتهاداته.
كل ذلك مضافاً إلى وجود دافع إخفاء فضائل أهل البيت ـ وعلى رأسهم عليّ (عليه السلام) ـ عند عمر، خصوصاً ما يَمُتّ منها إلى الخلافة بصلة، وهذا الوجه الثاني هو الذي ذهب إليه غالب كتاب الشيعة، ومنهم العلاّمة السيّد مرتضى العسكري[٣] الذي قرأ الشربيني كتابه.
فخلاصة ما ذهب إليه السيّد الشهرستاني هو أنّ منع عمر يكمن وراءه دافعان: إخفاء جهله وإضفاء الشرعية على اجتهاداته، ومنع الفضائل التي تمسّ أصل مشروعية حكومته، فاقرأ قوله:
فمن هذا التشديد، ومن تحديثهم هم، نفهم أن في الأمر التفاتة سياسية ذكية منهم، وهي التحديث بالفضائل والاستماع لبعضها من جهة، لكي لا تتضح معالم سياستهم بشكل واضح، والمنع من تجاوز الحدود المرسومة للتحديث والمحدَّث به من جهة أخرى، وبذلك يتّضح أن التعتيم على فضائل أهل البيت لم يكن هو السبب الأول والأخير في قضية منع التدوين والتحديث، ولا ننكر أن يكون له مدخلية في المنع بنحو العلة الجزئية التي تنضوي
[١] الطبقات الكبرى ٢:٣٥٨، سنن أبي داود ٣:٣١٨، مسند أحمد ٥:١٨٦، تهذيب الكمال ١٠:٢٨ ـ ٢٩.
[٢] أي القول بجهل عمر بن الخطاب.
[٣] معالم المدرستين ٢:٤٤ ـ ٤٥. وللمزيد انظر كلام السيد الجلالي في تدوين السنة الشريفة