كتاب وعتاب - قيس بهجت العطار - الصفحة ٣٠
عامّ شامل لمجرّد وجود مثل هذه الشريحة، وإلاّ لصح لغو جميع الشرائع وقوانين الدنيا لعدم خلو الزمان والمكان من مثلهم.
روى الطبري بسنده عن حبيب بن الشهيد، عن ابن عامر الانصاري: ان عمر بن الخطاب قرأ "والسابقون الأولون من المهاجرين والانصارُ الذين اتبعوهم بإحسان" فرفع "الأنصار" ولم يلحق الواو في "الذين"، فقال له زيد بن ثابت (من المهاجرينَ والأنصارِ والذين اتّبعوهم بإحسان)، فقال عمر: "الذين اتبعوهم بإحسان"، فقال زيد: أمير المؤمنين أعلم. فقال عمر: ائتوني بأبيّ بن كعب، فأتاه فسأله عن ذلك فقال أبيّ: (والذين اتبعوهم بإحسان)، فقال عمر: إذن نتابع أبيّاً[١].
وهذه الرواية[٢] كما تراها صادرة في زمان حكومة عمر بن الخطاب، أي بعد تمام نزول القرآن الكريم، وبعد وجود عدد كبير من القراء والحفاظ، وليست في زمن أوّل النزول، ومع ذلك التبس فيها الأمر على عمر بن الخطاب، وهنا نجد أنفسنا بين خيارين.
أوّلهما: القول بأنّ عمر كان قد ضبط القرآن وعرفه ولكنّه تعمَّد التغيير والتبديل، وأراد إضفاء أُبّهة وكرامة للمهاجرين يفوقون بها الأنصار.
وثانيهما: القول بأنّ عمر لم يتعمّد ذلك، ولكن خانه ذكاؤه وحفظه، وأوقعه فيه عدم إحاطته علماً بكل أمور القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
وهذا القول هو الذي يترجّح ـ دون إنكار كامل للدوافع القبلية ـ لوجود الأدلة والشواهد عليه، فقد تعلّم عمر سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورا[٣]،
[١] جامع البيان ١١:٧، والمستدرك على الصحيحين ٣:٣٠٥، والدر المنثور ٣:٢٦٩ وقد رواه الثعلبي في تفسيره اتم من هذا. وانظر المحتسب ١:٣٠٠ ـ ٣٠١.
[٢] وغيرها من الروايات التي تثبت بما لا يقبل الشك جهل عمر بن الخطاب بكثير من مفردات القرآن والسنة.
[٣] الدر المنثور ١:٢١، سيرة عمر لابن الجوزي:١٦٥، تفسير القرطبي ١:٤٠ وفيه "في بضع عشرة سنة"، شرح النهج ١٢:٦٦.