كتاب وعتاب - قيس بهجت العطار - الصفحة ٢١٧
هو نفسه في أحاديث كثيرة متواترة منها حديث عائشة[١]...
ومن نفس هذا المنطلق ـ بل المنحدر ـ راح ابن كثير يسجل فضيلة لمعاوية من خلال قول النبي (صلى الله عليه وآله) في حقّه "لا أشبع الله بطنه"، فقال: وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه، أمّا في دنياه فإنّه لمّا صار إلى الشام أميراً كان يأكل في اليوم سبع مرات، يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئاً كثيراً ويقول: والله ما أشبع وإنّما أعيا، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك.
وأمّا في الاخرة فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: اللهم إنّما أنا بشر... فركبّ مسلم من الحديث الأول [لا أشبع الله بطنه] ومن هذا الحديث [إنّما أنا بشر] فضيلة لمعاوية، ولم يورد له غير ذلك[٢].
وهكذا انجرّ الأمر إلى أن يكون الملعونون مرحومين مزكّين مقربين، ويكون النّبي (صلى الله عليه وآله) ـ الذي قال في حقّه الباري تبارك وتعالى (وانك لعلى خلق عظيم) ـ لعّاناً على غير مقصود، أو هو لعّان كسائر البشر لا يستطيع ضبط نفسه ـ والعياذ بالله ـ ولذلك شارط ربّه على أن يكون لعنه رحمة وزكاة وأجراً!! هكذا انقلبت الموازين، ودارت المقاييس بناء على مقولة تزكية من لعنه النّبي (صلى الله عليه وآله) ، هي عند العامّة لا عند الشيعة الامامية كما زعم المفتري.
وامتداداً لهذه المقولة المشؤومة نقل الشربيني رواية عن عبادة بن الصامت: انّ النّبيّ (صلى الله عليه وآله) نهى عن درهمين بدرهم[٣]، فقال فلان: ما أرى بهذا بأساً يداً بيد، فقال عبادة: اقول: قال النّبي،
[١] كتابه ١: ٤٢٨.
[٢] البداية والنهاية ٨: ١٢٢ - ١٢٣. ولاحظ انّه لم يذكر لمعاوية فضيلة غير هذه الفضيلة المركبّة. ولما طلب من الامام النسائي أن يخرّج فضائل معاوية قال: اىّ شىء أخرج؟! حديث اللهم لا تشبع بطنه؟! فسكت السائل، تذكرة الحفاظ ١: ٦٩٩/ ترجمة ٧١٩. ومع ذلك ملأ الشربيني.
[٣] لأنّه عين الربا.