كتاب وعتاب - قيس بهجت العطار - الصفحة ٢١١
لهذا الكتاب المعجز ممن كانوا حديثي عهد بالاسلام ولم يعتادوا على أسلوبه وأكثرهم من الأعراب الذين لم يكونوا فقهوا في الدين[١].
وهنا نقول: أنّ علياً (عليه السلام) كان أول المسلمين ومن المأمورين من قبل النّبي (صلى الله عليه وآله) بالكتابة والتقييد، ومن دعاة التدوين، وقد استقى علومه القرآنية من النّبي (صلى الله عليه وآله) ، وكان ابن مسعود من المسلمين الأوائل وممن حث رسول الله (صلى الله عليه وآله) على اتباع قراءته للقرآن فقال: من سرّه أن يقرأ القرآن رطباً كما أنزل فليقراه على قراءة ابن أم عبد[٢]. وقال له النّبي (صلى الله عليه وآله) : إنك لغلام معلم[٣].
وبالإجماع فإن عليّاً وابن مسعود كانا من الشباب المسلمين الاوائل، ومن العارفين الفاهمين بالقرآن وأسلوبه، وكلام العرب واساليبها، فهما على ادعاء الشربيني لا يتناولهما النهى عن الكتابة والتحديث، لكنا مع ذلك رأينا الشيخين يتركان القرآن الذي جمعه علي (عليه السلام) . وعمر حبس ابن مسعود ومنعه من التحديث، وعثمان أحرق مصحف عبدالله بن مسعود حتى وقع بينها ما وقع من نزاع طويل وخطب جليل.
فمن هذا يتبين أنّ المنع كان لما في قراءتهما من أشياء تضرّ حكومة الشيخين وعثمان، وتظهر جهلهم الذي أرادوا إخفاءه، لا لخوف الالتباس، إذ أنّ ائمة التفسير السياقي هم علي بن أبي طالب، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن مسعود، وقد منع عمر من القرآن الذي جمعه وفسّره علي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما تقدم قبل قليل، ومنع عبدالله بن عباس من التحديث بأحقيّة علي بالخلافة[٤]، وحبس ابن مسعود ومنعه من التحديث، وأحرق عثمان مصحفه من
[١] كتابه: ١: ٢٩٠.
[٢] سنن ابن ماجة ١: ٤٩، المستدرك على الصحيحين ٢: ٢٢٧.
[٣] الاصابة ٢: ٣٦٩، أسد الغابة ٣: ٢٥٦، سير اعلام النبلاء ١: ٤٦٥.
[٤] نظم درر السمطين: ١٣٣. وانظر شرح النهج ١٢: ٢٠ وفي شرح النهج ١٢:٥٤ بعد مناقشة بين عمر وابن عباس حول خلافة علي وأحقيّته، قال عمر لابن عباس: "أمّا أنت يابن عباس فقد بلغني عنك كلام أكره أن أخبرك به فتزول منزلتك عندي".