كتاب وعتاب - قيس بهجت العطار - الصفحة ١٨٤
الممتدة إلى أهل البيت ثم إلى النّبي (صلى الله عليه وآله) ثم إلى جبرئيل عن الله؟! وهل من الإنصاف أن ينهض هذا الحديث الكسير الجناج للحجية وتكسر أجنحة حديث الغدير التي تفوق المائة طريق؟!
إنّ هذا خلاف الدين والعقل والإنصاف.
على أنّ رواية معاذ الانفة الذكر معارضة برواية أخرى احسن منها سنداً، وهى:
قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن الشيباني، عن محمد بن عبدالله الثقفي، قال: لما بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) معاذاً إلى اليمن قال له: يا معاذ بم تقضي؟
قال معاذ: أقضي بكتاب الله، قال: فإن جاءك أمرٌ ليس في كتاب الله ولم يقض فيه نبيه ولم يقض به الصالحون؟
قال معاذ: أؤمّ الحق جهدي[١].
وهذه الرواية أرجح بمرّات من رواية الحارث، وليس فيها ذكر للاجتهاد بالرّاي أصلا[٢].
وروى ابن ماجة قائلا: حدثنا الحسن بن حمّاد - سجّادة - حدثنا يحيى بن سعيد الاموي، عن محمد بن سعيد بن حسان، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرّحمن بن غنم، عن معاذ، قال: لما بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى اليمن قال: لا تقضينّ ولا تفصلنّ إلاّ بما تعلم، وإن أشكل عليك أمر فقف حتى تتبيّنه أو تكتب إليّ فيه[٣].
وهذه الرواية وان كان سندها ربّما يعدّ ضعيفاً، لكنها معتضدة بالرواية التي قبلها، وليس فيهما ذكر الاجتهاد بالراي، وقد قال ابن قيم الجوزية في حاشيته على سنن أبي داؤد: وهذا أجود إسناداً من الأول [اي حديث الحارث بن عمرو] ولا ذكر فيه للرأي[٤].
وفوق كل ذلك، فإنّ السيرة العملية لمعاذ تكذّب إلصاق هذه التهمة به لأننا لم نجد ولا مفردة
[١] مصنف ابن أبي شيبة ٥: ٣٥٨.
[٢] انظر كتاب الرسول المصطفى ومقولة الرأي: ٣٧ - ٣٨، لفضيلة الشيخ باسم الحلي.
[٣] سنن ابن ماجة.
[٤] حاشية ابن قيم ٩: ٣٦٨.