كتاب وعتاب - قيس بهجت العطار - الصفحة ١٧٢
خصوصاً مع وضع تكذيب أبيّ لعمر مقابل تصديق القرآن المجيد.
د ـ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يحمل قول البراء بن عازب "ليس كلّنا سمع حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ كانت لنا ضيعة وأشغال ـ و لكن الناس كانوا لا يكذبون يومئذ"[١] على أنّه "ولكن الناس كانوا لا يخطؤون"؟!
ويحمل على ذلك أيضاً قول أنس بن مالك "والله ما كل ما نحدثكم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سمعناه منه، ولكن لم يكن يكذِّبُ بعضاً بعضاً"[٢]. فيكون معناه "ولكن لم يكن يخطّئ بعضنا بعضاً".
وقياساً على هذا فلَكَ أن تحمل كل ما ورد في القرآن من مشتقات "كذب" على معنى الخطأ و تصريفاته، وهذا ما لا يقوله عاقل فضلا عن مسلم. نعم، إنّ الذي حدا به لهذا التكلّف هو محاولته تبييض صحائف كذب بعض الصحابة، وإن فارق ذلك الحقائق العلمية وجافاها، وإلاّ كيف استدل على عدم كذب الصحابة بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) "من كذب عَلَيَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"، قال: وكيف يكذبون وقد اشتهر وأعلن فيهم وتواتر عنهم قوله (صلى الله عليه وآله) "من كذب عَلَيَّ"[٣]... مع أنّ هذا أدلّ على وجود الكذابين عليه (صلى الله عليه وآله) ، وإلاّ لما كان لهذا التحذير والإنذار كثير فائدة.
خصوصاً إذا لا حظت ما نقله في توجيه زيادة "متعمدا" حيث قال: والسر في ذكرها أنّ الحديث لمّا رتب وعيداً شديداً على الكاذب ـ و المخطئ والساهي والناسي لا إثم عليهم ـ كان من الدقة و الحيطة في التعبير التقييد بالعمد، وذلك لرفع توهّم الإثم على المخطئ و الغالط والناسي، وهو ما نقله الامام النووي عن مذهب السنة والمعتزلة أيضاً[٤].
[١] كتابه ١: ٣٤٣.
[٢] كتابه ١: ٣٤٣.
[٣] كتابه ١: ٤٠٤.
[٤] كتابه ١: ٤١١. هذا و لا يفوتك أننا لا نوافق على هذا الكلام. لأن معنى الكذب بنفسه فيه قيد التعمّد، لكنّ القوم لمّا أدرجوا فيه الخاطئ الجأهم ذلك إلى وضع قيد التعمد، مع أنك قد عرفت أنّ الكذب لا يتناول الخطأ إلاّ بنحو عناية و مجازية.