كتاب وعتاب - قيس بهجت العطار - الصفحة ١٧١
وأنس بن مالك... وعائشة أم المؤمنين... ثم قال: ومن التابعين ممن تكلّم فيهم[١]... و استرسل في كلامه دون أن يقول أنّ الكذب بمعنى الخطأ. وما تركناه من تكذيب بعضهم لبعض أضعاف ذلك، وفيه عبارات لا يمكن حملها بوجه من الوجوه على معنى أخطأ. مثل قول سعيد بن المسيب في عكرمة "كذب مخبثان، اذهب فسُبَّهُ"، وقوله لِبَرَد مولاه: "لا تكذب عَلَيَّ كما كذب عكرمة على ابن عباس"[٢]، وكقول ابن سيرين في عكرمة: "ما يسوءني أنّه يكون من أهل الجنة، ولكنّه كذّاب[٣]"، فهل تحتمل هذه النصوص أن يراد منها التخطئة لا التكذيب؟!
ج ـ إن الكاتب نسي نفسه ـ كما هودأ به ـ فروى من نماذج ما كان عليه سلفه من جُرأة في الحق مع خلفائهم وملوكهم وأمرائهم، ما هذا نصّه.
وروي أنّ أبيّ بن كعب قرأ (الَّذينَ استحقَّ عليهم الأَوْلَيان)[٤] فقال عمر: كذبتَ، قال: أنتَ أَكْذَب، فقال رجل: تكذِّبُ أميرالمؤمنين؟! قال: أنا أشدّ تعظيماً لحق أميرالمؤمنين منك، ولكن كذَّبتُهُ في تصديق كتاب الله، ولم أصدّق أميرالمؤمنين في تكذيب كتاب الله عزوجل، فقال عمر: صدق.[٥]
ومثل ذلك ما نقله من نماذج من جراءة الصحابة في حفظ الشريعة، حيث نقل قول الحجاج: إنّ ابن الزبير بدّل كلام الله، فقال ابن عمر: كذبت لم يكن ابن الزبير يستطيع أن يبدل كلام الله ولا أنت.[٦]
وهذا الحديثان ظاهران واضحان في التكذيب بالمعنى اللغوي المفهوم لكلّ عربيّ اللسان،
[١] الكامل في ضعفاء الرجال ١: ٦٦ ـ ٤٧.
[٢] تهذيب الكمال ٢٠: ٢٨٠، و سير أعلام النبلاء ٥: ٢٢.
[٣] تهذيب الكمال ٢٠: ٢٨٢، و سير أعلام النبلاء ٥: ٢٥.
[٤] المائدة: ١٠٧.
[٥] كتابه ١: ٤٣٥.
[٦] كتابه ١: ٤٠٦، عن تذكرة الحفاظ ١: ٣٧، ٣٩.