كتاب وعتاب - قيس بهجت العطار - الصفحة ١٤٠
وقال أبوبكر الكاشاني الحنفي (ت ٥٨٧ هـ) في بدائع الصنائع: وأما المؤلفةُ قلوبهم فقد قيل أنّهم كانوا قوماً من رؤساء قريش وصناديد العرب ـ مثل أبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن الفزاري، والعباس بن مرادس السلمي، ومالك بن عوف النضري، وحكيم بن حزام، و غيرهم ـ ولهم شوكه وقوة وأتباع كثيرة، بعضهم أسلم حقيقة، وبعضهم أسلم ظاهراً لا حقيقة وكان من المنافقين[١]...
فتبين مما مضى، أنّ ارتداد جمع من الصحابة ممكن بل واقع، و قد ذهب إليه كثير من المسلمين، بل هو موافق لتصريحات القرآن والسنة بوجود منافقين، وبأنّ بعضهم ارتد أو سيرتدّ (يا ايها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبونه أذلّة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم)[٢]، وقال تعالى (إنّ الذين ارتدوا على أدبارهم بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سوّل لهم و أملى لهم)[٣]، فإنهم المنافقون كما صرّح بذلك ابن عباس والضحاك والسدّي، كانوا يؤمنون عند النبي (صلى الله عليه وآله) ثم يظهرون الكفر فيما بينهم[٤].
بل هذا الأمر هو من سنن الله في أنبيائه و أممهم (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلّم الله و رفع بعضهم درجات و آتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر)[٥] (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه
[١] بدائع الصنائع ٢: ٤٥.
[٢] المائدة: ٥٤.
[٣] محمّد: ٢٥.
[٤] انظر مجمع البيان ٩: ١٥٨، وتفسير القرطبي ١٦: ٢٤٩، وتفسير الطبري ٢٦: ٣٦.
[٥] البقرة: ٢٥٣.