كتاب وعتاب - قيس بهجت العطار - الصفحة ١٠٤
بل إنّ النفاق لغة واصطلاحاً يقتضي إخفاءً من جهة وإظهاراً من جهة أخرى، لأن الكافر هو من يبطن عدم الإيمان ويظهره، والمؤمن من يبطن الإيمان ويظهره، والمنافق هو مَن يظهر الإيمان ويبطن الكفر، فإذا كُشف للجميع أمرهم عن زيف ظاهرهم وأُظهر كفرهم الذي كانوا يكتمونه لم يبق معنى لنفاقهم كشريحة اجتماعية لها ثقلها السلبيّ و آثارها السيئة.
و من غرائب ردوده في هذا المجال أنه استدل بما رواه حذيفة بن اليمان صاحب سرّ رسول الله، "في أصحابي اثنا عشر منافقاً فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة و لا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط". و لا أدري كيف وفّق بين كون المنافقين معروفين معدودين و بين كون حذيفة صاحب السرّ؟! لأنّ حذيفة كان من المخصُوصين بمعرفة المنافقين بإِخبار من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فإذا فُرض أنّهم مفضوحون معلومون لم يبق معنى لكونه صاحب السرّ، و لم يبق معنى لسؤال عمر بن الخطاب و غيره لحذيفة عن نفسه و عن آخرين هل انّهم من المنافقين أم لا؟[١]
و ماذا يقول المرء حين يقرأ ما رواه مسلم بسنده عن أبي الطفيل، قال: كان بين رجل من أهل العقبة و بين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال: أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة؟ قال: فقال له القوم: أخبره إذ سألك، قال: كنّا نخبر أنّهم أربعة عشر، فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر[٢]... الخ.
و روى يزيد بن هارون، قال: أخبرنا الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل، قال: سابَّ رجلٌ عماراً، فقال حذيفة أو قال عمار: كان الذين تجسّسوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليلة العقبة
[١] انظر سؤال عمر لحذيفة عن ذلك في الاستيعاب بهامش الإصابة ١: ٢٧٧، و مختصر تاريخ دمشق ٦: ٢٥٣، و مغازي الواقدي ٣: ١٠٤٤.
[٢] صحيح مسلم المطبوع مع شرح النووي ١٧: ١٣٠ ـ ١٣١ / كتاب صفات المنافقين و أحكامهم ـ ح ١١.