كتاب وعتاب - قيس بهجت العطار - الصفحة ١٠١
و قد حاول الشربيني[١] ردّ هذه الأدلة الدامغة وأدلّة أخرى، فحمل انفضاض الصحابة عن النبي (صلى الله عليه وآله) على أنه وقع في بدء زمن الهجرة وأنّ أكثر الصحابة ـ وهم المنفضّون ـ لم يكونوا واقفين على الآداب الشرعية، وهذا باطل لأنّ الواحدي صرّح بأن الذين لم ينفضوا اثنا عشر رجلا فقط ـ و في تفسير الثعلبي عن ابن عباس أنّه لم يبق مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) إلاّ ثمانية رجال ـ و هذا يعني أنّ المنفضين كانوا من المهاجرين والأنصار كلهم إلاّ هذا العدد المستثنى، فيكف لم يعرف المهاجرون ـ إن تنزّلنا وسلّمنا عدم معرفة الأنصار ـ تلك الآداب بعد أكثر من عشر سنين قضوها مع النبي؟! خصوصاً إذا لا حظتَ قول الجصاص في أحكام القرآن نقلا عن أهل السير: أنّ أول جمعة أقيمت بالمدينة صلاّها مصعب بن عمير بأمر النبي قبل الهجرة النبوية[٢]، مما يلزم منه معرفتهم بآداب صلاة الجمعة وشروطها.
ثم أورد كلام مختصر التحفة الاثني عشرية وقول الآلوسي "ولذا لم يشنع عليهم ولم يوعدهم سبحانه وتعالى بعذاب ولم يعاتب الرسول (صلى الله عليه وآله) أيضا"، مع أنّ الواحدي في أسباب النزول قال أنّ المفسرين قالوا أنّ النبي قال: "والذي نفس محمد بيده لوتتابعتم حتى لم يبق أحد منكم لسال بكم الوادي ناراً"[٣]. فهل بعد هذا التهديد تهديد؟ وهل بعد هذا العتاب والتخويف يقال أنّه لم يشنع عليهم ولم يوعدهم الباري ولم يعاتبهم الرسول؟! بل إنّ في هذا التهديد أكبر دليل على أنّهم كانوا يعرفون حرمةَ ذلك العمل فارتكبوه، لا كما ادّعى من عدم معرفتهم بالآداب. وقد صرح القرطبي أنّه كان خليقاً بهم أن لا يفعلوا ذلك[٤]. وقبل كل ذلك فإنّ لسان الآية لسان تأنيب، خصوصاً قوله (قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة).
[١] انظر كتابه ٢: ٨٤ ـ ٩٨.
[٢] انظر أحكام القرآن ٣: ٥٩٩.
[٣] أسباب النزول: ٢٨٦.
[٤] تفسير القرطبي ١٨: ١١٠.