الحاشية علی اصول الكافي (العاملي) - العلوي العاملي، السيد أحمد - الصفحة ١٣٢ - كتاب العقل والجهل
وهو يدلّ على أنّ التصديق الكاذب إنّما يكون في مرتبة الظنّ لا الجزم، وما ظنّه بعض المنطقيّين- من أنّ الاعتقاد الجازم ينقسم إلى مطابق وغير مطابق- ليس إلّابعض الظنّ حيث ما علمت أنّ الكاذب لا يكون مجزوماً به، فتعيّن من ذلك أن يكون من أفعال جوهر الناطقة لا من قبيل اعتقاداته كما يشعر بذلك قوله العزيز: «إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ»[١]، وذلك لأنّ الإثمّ إنّما يكون في الأفعال الصادرة عنّا، وقد صرّح بذلك بعض قدمائنا الاصوليّين كالشيخ والسيّد- قُدّس سرّهما- في كتابهما في الاصول.
ثمّ أقول: إنّه لا ينافي بما تلونا عليك أنّ التصوّرات والتصديقات كلّها فائضة من سرادقات مجده على النفوس، وذلك لأنّ الكواذب لا تكون من التصديقات والتصوّرات بل من قبيل المظنونات، واللَّه وليّ الباقيات الصالحات، وفيّ السابقات العاليات.
قال عليه السلام: تواضع للحقّ. [ص ١٦ ح ١٢]
أقول: التواضع للحقّ هو أن لا يرى العبد لنفسه وجوداً، ولا حول ولا قوّة إلّابالحقّ وحوله. وفي الخبر: «من تكبّر وضعه اللَّه، ومن تواضع للَّهرفعه اللَّه»[٢] وحكاية من اللَّه:
«العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما، قصمته»[٣].
والإنسان كلّما تواضع للَّهبالحطّ عن نفسه، زاده اللَّه فضلًا وشرفاً، وإذا فنى عن نفسه بالموت الإرادي قبل الطبيعي، يكون باقياً.
ولعلّ هذا هو المراد بقوله: «تكن أعقل الناس» فإنّ أعقل الناس هم الأنبياء والأولياء ثمّ الأمثل فالأمثل. وهذا موعظة خطابيّة، وحكمة عمليّة خُلقيّة تتهذّب النفس بها عن أدناس الرذائل وتتطهّر عن أرجاس العلائق العوائق عن تجرّدها التامّ
[١]. الحجرات( ٤٩): ١٢.
[٢]. كامل الزيارات، ص ٤٥٥، ذيل ح ٦٩٠؛ تحف العقول، ص ٤٦؛ المصنّف، لابن أبي شيبة، ج ٨، ص ٣١٣، ح ١٢٦.
[٣]. المصنّف، لابن أبي شيبة، ج ٦، ص ٢٤٩، ح ٢؛ مسند الشهاب، ج ٢، ص ٣٣١، ح ١٤٦٤؛ منية المريد، ص ٣٣٠.