الحاشية علی اصول الكافي (العاملي) - العلوي العاملي، السيد أحمد - الصفحة ١٣٠ - كتاب العقل والجهل
والطاعة، وأرجو منه أن يوفّقني ويمددني، وإن جعلني مخيّراً فإنّي اريد العافية ولا أتعرّض للفتنة، فاستحسنت الملائكة قوله وأحبّه اللَّه وزاده في الحكمة والمعرفة حيث صدر عنه ألف كلمة، قيّمة كلّ منها العالَم.
والحكمة في عرف العلماء: استكمال النفس الإنسانيّة باقتباس العلوم النظريّة واكتساب الملكة التّامّة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها.
ومن حكمته أنّه صحب داود عليه السلام شهوراً، وكان يسرد الدرع فلم يسأله عنها فلمّا أتمّها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت، فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله.
وإنّ داود عليه السلام قال له يوماً: كيف أصبحت؟ قال أصبحت في يَدَيْ غيري مرتهناً بعملي. وإنّه أمر بذبح شاة وأن يأتي بأطيب مضغتين منها، فأتى باللسان والقلب، ثمّ بعد أيّام أمر بأن يأتي أخبث مضغتين منها، فأتى بهما أيضاً، فسأله عن ذلك فقال: هما أطيب شيء إذا طابا، وأخبث شيء إذا خبثا. انتهى كلام عين المعاني[١].
فإن قلت: كيف يجامع هذا الحديثَ من مدح القلب ما في كريمة «أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ»[٢]؟ وذلك لأنّ ظاهر حيلولته تعالى بينه وبينه يدلّ على أنّه ليس ممدوحاً، فكيف التوفيق؟
قلت- وباللَّه التوفيق: إنّ للقلب إطلاقاتٍ شتّى[٣] أحدها: العقل، وهو من مراتب جوهر الناطقة المجرّدة كما لوّحنا إليه آنفاً.
وثانيها: القلب الصنوبري.
وثالثها: الجزم بأنّ الباطل حقّ والحقّ باطل. وما في هذه الآية من الحيلولة بين المرء وقلبه هو هذا.
[١]. لم نعثر عليه، نعم نقله عنه في شرح المازندراني، ج ١، ص ١٤٤.
[٢]. الأنفال( ٨): ٢٤.
[٣]. في المخطوطة:« شيء».