الحاشية علی اصول الكافي (العاملي) - العلوي العاملي، السيد أحمد - الصفحة ١٤٢ - كتاب العقل والجهل
قال عليه السلام: إنّ الدنيا طالبة مطلوبة. [ص ١٨ ح ١٢]
أقول: توضيحه بأمرين:
أحدهما: أنّ رزق الدنيا ونَصيبَ الإنسان منها لا يتعلّق بكسبه وسعيه، بل هو مقدّر مضمون يصل إليه سواء اختاره أو لا، وسواء تعب وكدّ في تحصيله أو لا.
وإليه الإشارة بقوله تعالى: «وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ»[١].
بعض الفلاسفة على أنّ الدنيا دار إنفاق بخلاف رزق الآخرة ونعيم الإنسان أو عذابه منها؛ فإنّه يتعلّق لا محالة بسعيه وكسبه «لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى»[٢]، وذلك لأنّ كلّ ما يصل إليه فهو صور أخلاقه، وتبعات صفاته وأفعاله، ليس بخارج عنه، وارد عليه كما يستفاد من معرفة أحواله.
وثانيهما: أنّ كلّاً من الدنيا والآخرة طالبة لمن مطلوبه الاخرى بوجه دون وجه، فكلّ منهما طالبة حين كون الاخرى مطلوبةً بوجه من الطلب، فمن طلب الآخرة وسعى في تحصيلها، فله الآخرة لا محالة لقوله تعالى: «وَ مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَ سَعى لَها سَعْيَها وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً»[٣]، ومع ذلك طلبته الدنيا ليستوفي رزقها، إنّ الرزق المقدّر يصل إلى الإنسان سواء طلبه أو لا، ومن طلب الدنيا وسعى لها سعيها الذي لا فائدة فيه، طلبته الآخرة ليستوفي أجلها؛ إذ الأجل أيضاً كالرزق مقدَّر مكتوب، فيأتيه الموت وعند ذلك تفسد دنياه؛ لانقطاعها، وتفسد آخرته؛ لأنّ اكتسابها لا يمكن بعد الموت.
فثبت أنّ من طلب الآخرة كانت له الدنيا والآخرة جميعاً، ومن طلب الدنيا زيادةً على ما هو المكتوب لم يكن له الدنيا ولا الآخرة.
فقد ظهر أنّ العقلاء إذا تيقّنوا ما ذكرنا يجب أن يزهدوا عن الدنيا ويرغبوا في الآخرة فهم السعداء في الدارين، والفائزون بكرامتين.
[١]. الذّاريات( ٥١): ٢٢.
[٢]. النجم( ٥٣): ٣٩.
[٣]. الإسراء( ١٧): ١٩.