الحاشية علی اصول الكافي (العاملي) - العلوي العاملي، السيد أحمد - الصفحة ١٢٧ - كتاب العقل والجهل
فإذا تقرّر هذا، فنقول: قوله: «وَ أَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ»[١] أيجعلناهم ورثة الكتاب، وحملة الأسفار، وحفظة الألفاظ ومدلولاتِها اللفظيّةِ ومعانيها الأوّليّة وأحكامها الظاهريّة الفرعيّة، وإنّما فعلنا ذلك ليكون هدى وذكرى لُاولي الألباب.
فظهر أنّ المقصود الأصليّ في ايراث التوراة لبني إسرائيل وكذا غيره من الكتب السماويّة لطائفة اخرى غيرهم إنّما هو الهدى والذكرى لُاولى الألباب، وإنّ غيرهم من أهل الكتاب بمنزلة القوى الخادمة للعقل، وبمنزلة النُسّاخ؛ لتبقى النُسَخ محفوظةً لهؤلاء، ولا تندرسَ بكرور الأزمنة والدهور.
فعلم من ذلك غاية المدح لهم.
وقوله عليه السلام: وقال: «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ»[٢]، تحقيق الآية أنّه تعالى لما ذكر في الآيات السالفة بعضَ دلائل توحيده تعالى من بناء السماء وفرش الأرض وخلق الزوجين من كلّ شيء، ورتّب عليها الأمر بالفرار إليه تعالى من كلّ ما سواه عملًا والاعتقاد بوحدانيّته باطناً وضميراً بوسيلة تعليم نبيّه الذي هو نذير مبين، ثمّ أشار إلى جلالة رتبة التوحيد وعِظَم قدره وعزّة وجوده في السابقين واللاحقين حيث ما آتاهم رسول معلّم ولا نبيّ مرشد إلّاونسبوه إلى السحر والجنون، أمر نبيّهَ عليه السلام بالتولّي والإعراض عن الذين درجتهم قاصرة عن إدراك الآيات والاهتداء بهداها، وهم أكثر الناس كما في قوله: «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا* ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ»[٣]، وبيّن النبيّ صلى الله عليه و آله أنّ ذلك التولّي ليس بقادح في جلالة قدرك، وأنّ عدم إيمان أكثر الخلق ليس لتقصيرك حتّى تحزن، فلا تحزن فإنّك لست بملوم في الإعراض عنهم[٤].
[١]. غافر( ٤٠): ٥٣.
[٢]. الذّاريات( ٥١): ٥٥.
[٣]. النّجم( ٥٣): ٢٩- ٣٠.
[٤]. راجع: تفسير الرازي، ج ٢٨، ص ٢٣١.