الحاشية علی اصول الكافي (العاملي) - العلوي العاملي، السيد أحمد - الصفحة ١٤٤ - كتاب العقل والجهل
وجميع ذلك لأجل أنّ إيمانهم لم يكن إيماناً حاصلًا من طريق الاستبصار بالآيات والبراهين، ولا علمه نوراً فائضاً على قلبه من اللَّه مكتوباً فيه بقلم اللَّه «أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ»[١]، «أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»[٢] بل كان إيمانهم تقليديّاً، وعلمهم حاصلًا من أفواه الرجال، وهداهم هدى الخلق بالرواية والكتابة، لا هدى الحقّ بالدراية «قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ»، ومثلهم لا يأمن في حقّهم مكر اللَّه، فالمؤمن المستبصر مادام في الدنيا لابدّ أن يلتجىء إلى اللَّه، ويتضرّع له بالدعاء أن لا يزيغ قلبه من الهدى، وأن يتفضّل عليه بهدىً ورحمةٍ من عنده وعلماً وحكمةً من لدنه. وإلى ما ذكرنا أشار بقوله عليه السلام: «يا هشام! إنّ اللَّه حكى»، إلى آخره.
قال عليه السلام: ورداها أنّه لم يخف اللَّه. [ص ١٨ ح ١٢]
أقول: أشار به إلى ما هو كالبرهان على أنّ القلوب متى لم تعرف عن اللَّه من شأنها تزيغ عن الحقّ وتعود إلى العمى.
والردى من وجهين: أحدهما: عملي، والآخر علمي.
فالأوّل قوله عليه السلام: «لم يخف اللَّه من لم يعقل عن اللَّه»، وسببه أنّ من لم يعقل عن اللَّه كان إيمانه إمّا تقليديّاً محضاً كالعوامّ، وإمّا ظنّياً تخمينيّاً أو جدليّاً كلاميّاً. وكلّ ذلك لا يوجب الخوف من اللَّه والخشية من عذابه؛ إذ الأكثرون لم يعرفوا من الاصول الحِكْميّة كيفيَّةَ العلم به تعالى من صفاته وسماته وتقدّسه عن التغيير والانتقال والتحدّد والانفعال، وغناه عمّا سواه وعن عبادتهم وعصيانهم.
وهو كما يقول في الحديث عنه تعالى: «هؤلاء للجنّة ولا ابالي، وهؤلاء للنار ولا ابالي»[٣].
[١]. المجادلة( ٥٨): ٢٢.
[٢]. البقرة( ٢): ٥.
[٣]. علل الشرائع، ج ٢، ص ٦٠٦، ضمن ح ٨١؛ تفسير العيّاشي، ج ١، ص ١٨٢، ضمن ح ٧٨؛ المستدرك للحاكم النيسابوري، ج ١، ص ٣١.