الحاشية علی اصول الكافي (العاملي) - العلوي العاملي، السيد أحمد - الصفحة ١٣٤ - كتاب العقل والجهل
ومنها: كونها ممّا غرق فيه خلق كثير وهلكوا هلاك الأبد، وهو هلاك الروح، فإنّ للإنسان ثلاث حياتات:
اولاها: حياة البدن، وهي الحياة الدنيويّة التي تشارك فيها جميع الحيوانات.
وثانيتها: حياة النفس، وهي التي تبقى بعد البدن لجميع أفراد الإنسان دون سائر الحيوان، فيحشرون ويثابون أو يعاقبون.
وثالثتها: حياة الروح، وإنّما هي بالمعرفة واليقين والإيمان الحقيقي. والموت الذي بازائه هو الكفر والفساد والجهل والاستكبار.
وإنّما غرق فيها الأكثر؛ لاغترارهم بما فيها من زهراتها، وشهواتها المُغوية، وزينتها الفانية، وتمتّعاتها الباطلة، فهي بما فيها غارّة مضلّة يغترّ بها الإنسان ويهلك.
وقد حذّر اللَّه سبحانه عباده عن غرور الدنيا وفتنها في مواضع كثيرة من كتابه العزيز كما قال: «فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ»[١] وقوله: «وَ غَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ»[٢] فإذا كان كذلك، فلا نجاة لأحدٍ منها وغرورها إلّابسفينة التقوى والزهد فيها.
ثمّ لابدّ له من التوكّل باللَّه وهو الوثوق به والاعتماد عليه في كلّ الامور لا على الأسباب، فإنّ من يعتقد أنّ الأمر كلّه بيد اللَّه، ولا يطمئنّ به في أنّه متكفّل لُاموره بل يتقيّد بالأسباب ويعتقدها ممّا يحتاج إليه فيعوقه ذلك عن السفر إلى اللَّه، كمن لا يسافر في الدنيا وحده بل مع الرفقاء والقوافل والأسباب حذراً عن عدم الفوت، وخوفاً عن قاطع، فينتظر مدّة مديدة لانتظار الأسباب، فهكذا من لا يتوكّل عليه تعالى، فلا يسافر إلى عالم القدس، ولا يخرج من بيته مهاجراً إلى اللَّه ورسوله، فالتوكّل بمنزلة شراع سفينة النجاة الذي به يسرع سير السفينة ولذا قال: «وشراعها التوكّل».
ثمّ مع التقوى والإيمان والتوكّل لابدّ من عقل تامّ به يدرك حقائق الامور، ويعرف
[١]. لقمان( ٣١): ٣٣.
[٢]. الحديد( ٥٧): ١٤.