الحاشية علی اصول الكافي (العاملي) - العلوي العاملي، السيد أحمد - الصفحة ١٣٣ - كتاب العقل والجهل
لتصير عقلًا مستفاداً راجعاً إلى ربّه ومُبدعه ومُبدع الكلّ.
قال عليه السلام: لدى الحقّ. [ص ١٦ ح ١٢]
أقول: إنّ كياسة الإنسان- وهي عقله وفطانته- يسير عند الحقّ لا قدر له، وإنّما الذي له قدر عند اللَّه هو التواضع والمسكنة والخضوع والعجز والافتقار إليه، فكلّ علم وكلّ كمال لا يؤدّي صاحبَه إلى مزيد فقر وفاقة إليه تعالى يصير وبالًا عليه، والجهل والنقيصة أولى به منه.
ولذلك قيل: غاية محمود العابدين تصحيح جهة الإمكان والفاقة إليه تعالى. فكلّ عالم كيّس زعم أنّ له وجوداً أو كمالًا غير ما هو رشح من رشحات بحر وجوده أو انعكاس من ضوء وجوده وتفضّله، فهو في غطاء شديد، وحجاب عظيم عن نيل الحقّ والوصول إلى سرادقات مجده وعزّ بهائه[١].
قال عليه السلام: يا بنيّ! إنّ الدنيا بحر عميق. [ص ١٦ ح ١٢]
أقول: لا يخفى أنّ الشرع: وتر العود، والشرعة أخصّ منه، وشِراع السفينة بالكسر:
ما يرفع فوقها من ثوب ليدخل فيه الريح، فتجريَها.
قوله: «إنّ الدنيا بحر عميق» مثّل الدنيا بالبحر لوجوه من الشبه:
منها: تغيّرها واستحالة أشكالها وصورها في كلّ لحظة، فالكائنات فيها كالأمواج، وما من صورة يكون فيها إلّاأنّه يلزمها الفساد، فهي متعاقبة الكون والفساد.
ومنها: كونها كالبحر ممّا يعبر عليها أفراد الناس من هذه النشأة البائدة الهالكة إلى الدار الباقية، فالنفوس كالمسافرين، والأبدانُ كالسفائن تنتقل بها من الاولى إلى الاخرى. ولعلّ السفينة البدنيّة لا يحصل العبور والانتقال إلى الدار الآخرة إلّابها سواء كانت تلك الدار دارَ عذاب وحبس وسلاسلَ وأغلال وسخط من اللَّه نظراً إلى المسافر، أو دارَ ثواب وكرامة ونعيم أقرب من عند اللَّه ورضوان. وأمّا السفينة التي تقع بها النجاة إلى دار الرحمة والرضوان فهي تقوى اللَّه.
[١]. شرح المازندراني، ج ١، ص ١٤٥.