الطفل بين الوراثة والتربية - الفلسفي، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٩٤ - الوجدان الأخلاقي
يدعي مثل ذلك ، لأنه قال عند التحدث عن أبناء القبيلة الذين قتلوا أباهم :
« ولم يكن مقدوراً لأحد الأولاد أن يحقق أمنيته ويستحل منزلة أبيه إذ أنه على ذلك كان يلاقي نفس مصير أبيه ».
يستفاد من هذه العبارة أن أفراد القبيلة الوهمية كانوا عقلاء مفكرين متعمقين إلى درجة أنهم كانوا يشاهدون الستار الذي يكمن وراء ستار الرياسة ، وكانوا يعلمون أنهم بقبولهم الرياسة سيلاقون نفس المصير المؤلم الذي لاقاه أبوهم من قبل ، وبديهي إن إدراكاً كهذا يكون نتيجة التعقل والتفكير ، ومن الواضح أن القبيلة الخيالية لم تكن تحت سيطرة حكومة الغرائز العمياء الصماء مثل الأغنام ، بل كانوا يدركون معنى الأمانة بكل وضوح.
لنفرض أن إحدى نساء القبيلة خرجت في الصباح إلى الغابة واستطاعت بعد عناء شديد أن تقطف بعض الفواكه لطعامها وطعام أطفالها ، وقد جرحت بالأشواك ... وفي أواخر النهار تحمل الفواكه إلى حيث تسكن القبيلة. وبما أن طفلها يضيع في أثناء الطريق ، فانها تودع الثمار عند أحد أفراد القبيلة الذي كان بالقرب من تلك المنطقة ، وتعود إلى الغابة للبحث عن طفلها. وعندما ترجع تجد أن الشخص الذي أودعت الثمار عنده قد وزعها بين أفراد أسرته وأكلوها جميعاً ... أليس هذا العمل مخالفاً لما كانت تتوقعه المرأة بفطرتها؟ ألا تحس المرأة أن عملاً قبيحاً قد وقع؟. ألا يحق لها أن تصيح وتولول وتضرب الخائن؟. وإذا اجتمع أفراد القبيلةواطلعوا على القضية ألا يسألون الخائن عن قبح فعله؟ ألا يسمحون لتلك المرأة أن تأخذ حقها من الخائن؟ ألا تدل هذه الردود الروحية على القبح الفطري للخيانة؟! إن جواب فرويد على هذه الأسئلة كلها بالنفي. إنه يقول : إن الخيانة ليست من الناحية الفطرية فعلاً حسنا أو قبيحاً. ذلك لأن الانسان الأول لم يكن يدرك الحسن والقبح.
أما أتباع الرسالات السماوية ، وكثير من العلماء في الماضي والحاضر فانهم يرون أن قبح الخيانة ـ كسائر الوجدانيات ـ أصيل في بناء الانسان. إن الله تعالى وهب الانسان ثروة فطرية عظيمة لهدايته إلى الحياة السعيدة ، وليصل عن هذا الطريق إلى الكمال الانساني اللائق به ، ولكن الانسان الحر والطليق