الطفل بين الوراثة والتربية - الفلسفي، الشيخ محمد تقي - الصفحة ١٨٠ - العقل والحرية ـ تنمية المشاعر
حرية العقل :
٢ ـ أما النقطة الثانية التي يختلف فيها العقل عن الغريزة فهي أن الغريزة تعمل بصورة جبرية ولا يملك صاحب الغريزة في الأفعال الغريزية أية إرادة أو اختيار. فالنحلة مجبرة على أن تبني بيتها بشكل سداسي ، مستخدمة في ذلك الشمع كمادة إنشائية. ولا يحق لها أن تحدث أي تغيير في هذا العمل كما نجد أن الانسان ـ بحكم غريزته ـ يبلغ في وقت معين وتبدو الرغبة الجنسية فيه من دون ارادته واختياره ... لكن الأحكام العلية تجري بإرادة الانسان واختياره ، وهو حر في تنفيذ أوامر العقل أو عصيانها. وهذه الحرية هي أعظم مائز للبشر بالنسبة إلى جميع الموجودات في عالم الأحياء.
إن القرآن الكريم يشير إلى حرية الانسان في مواضع عديدة ويعتبرها من الودائع الفطرية في بناء الانسان. وهنا لا بأس من الاستشهاد ببعض تلك الآيات في ضمن الفقرات التالية : ـ
الحرية الفطرية :
يقول تعالى : « إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه ... » [١].
أي أننا خلقنا الانسان من نطفة خليطة من الرحل والمرأة ، ثم نمتحنه ...
وإذا نظرنا إلى الحيوانات ، وجدنا أنها هي أيضاً تتكود من خليط من نطفة الذكر والأنثى. فالخلية الأولى للخروف أو الأرنب إنما هي خليطة ( أمشاج ) ، وبذلك تشبه الانسان ... إلا أنه ألحق كلمة ( نبتليه ) بعد كلمة ( أمشاج ) بالنسبة إلى الانسان ، وهذه عبارة عن فصل مميز بين الانسان وسائر الحيوانات ، وذلك لأن الاختبار إنما يصح عندما يكون الشخص المختبر مالكاً للحرية والاختيار ، فمثلاً لا يمكن أن يقال بالنسبة إلى الشخص المسجون في سجن لوحده والمراقبة مشددة عليه : أنه يمتحن ليرى هل يسرق أم لا؟. لأنه
[١] سورة الدهر |٢.