الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٢٠٩
كما أنّ الأحكام تختلف بحسب سهولة المدرك والاستنباط وصعوبتهما، فربّ حكم اختلفت فيه الأقوال وتضاربت أدلته وأخباره، وحكم آخر مدركه رواية واحدة ظاهرة الدلالة وتامة السند، ومن البديهي أنّ الاستنباط في الأوّل أصعب وفي الثاني أسهل. وعليه يمكن أن تحصل للإنسان ملكة على الاستنباط في باب لسهولة مقدماته ومداركه ولا تحصل له في أبواب اخرى لصعوبة مبادئها ومآخذها.
بل لا يبعد القول بأن المطلق من الاجتهاد مسبوق بالتجزّي دائماً، وأنّ أيّ مجتهد مطلق كان في وقت متجزّئاً ثمّ قوي وترقى وتكامل شيئاً فشيئاً حتى تمكّن من استنباط أكثر الأحكام أو كلّها.
وإلى ذلك أشار المحقق الخراساني:
«بل يستحيل حصول اجتهاد مطلق عادة غير مسبوق بالتجزّي» [١]).
ثمّ إنّ هنا بحثاً حول امكان التجزّي الطولي في الاجتهاد، بمعنى أن يكون شخص مجتهداً في بعض المدارك للمسألة الفرعية دون جميعها، كما إذا فرض أنّه مجتهد مثلًا في الاصول العملية والأدلّة الفقاهتية دون الأدلّة الاجتهادية أو بالعكس.
ويظهر من كلمات بعض الفقهاء إمكان ذلك، قال المحقق الحائري: «إن فرض كونه مجتهداً في مدارك المسألة الفقهية، أعني الاستظهار من الخبر مثلًا، دون مداركها أعني حجّية السند والظهور، يتعيّن تقليده في المسألة الاصولية للمجتهد المطلق، فإن أفتاه بالحجّية في حقّه- كما هو الحق- رجع في المسألة الفقهية إلى اجتهاد نفسه، وإن خالف اجتهاد المجتهد المطلق» [٢]).
وقد يظهر من كلمات بعض آخر عدم إمكانه، قال المحقق العراقي: «وأمّا لو لم يقدر إلّا على إعمال بعضها، بأن كان مجتهداً في بعض القواعد المعمولة في كل مسألة لا في جميعها، فلا شبهة في عدم تحقّق الاجتهاد في مسألة من المسائل، لعدم قابليته للتجزئة من هذه الجهة، ولازمه كونه مقلّداً في المسألة لا مجتهداً» [٣]).
[١] كفاية الاصول: ٤٦٧.
[٢] درر الفوائد: ٦٩٦.
[٣] نهاية الأفكار ٤: ٢٢٥.