الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٢٠٧
أحكام إلزامية في الشريعة.
نعم، يصح الوجوب الطريقي بمعنى المعذّرية في الاجتهاد والتقليد، كما إذا أفتى المجتهد بما أدّى إليه رأيه وعمل به مقلّدوه ولكن كان مخالفاً للواقع، فإنّ اجتهاده حينئذ كتقليد مقلديه معذّران عن مخالفة عملهما للواقع.
إلّا أنّ ذلك لا يصحح القول بالوجوب الطريقي في الاجتهاد وعِدليه.
نعم، لو فرض انحلال العلم الإجمالي بوصول المكلّف إلى المقدار المعلوم بالإجمال بالطرق والأمارات، فلا محيص في هذه الصورة عن القول بكون وجوب الاحتياط والاجتهاد والتقليد وجوباً طريقياً، أي يكون منجّزاً للواقع، فإنّ التنجيز حينئذٍ يكون مستنداً إلى وجوب الاحتياط، أو وجوب تحصيل الحجّة بالتقليد أو الاجتهاد» [١]). هذا كلّه في حكم الاجتهاد بالنظر إلى أعمال نفس المجتهد.
وأمّا بالنظر إلى رجوع الغير إليه فإنّ الاجتهاد يكون واجباً وجوباً نفسياً كفائياً؛ لبداهة وجوب حفظ الشريعة المقدّسة عن الانطماس والاندراس. ومن الواضح أنّ إهمال الأحكام الشرعية وترك التصدي لاستنباطها في كل عصر يؤدّي إلى انحلالها واضمحلالها؛ لأنّه لا سبيل إلى تحصيلها وامتثالها حينئذٍ غير التقليد من العلماء الأموات، وقد ذكر في محلّه (في مصطلح: تقليد) أنّ تقليد الميت ابتداءً أمر غير مشروع، أو الاحتياط، ولكنّه أيضاً لا سبيل إليه؛ لأنّ الاحتياط لا يمكن الالتزام به في بعض الموارد لعدم إمكانه، كموارد دوران الأمر بين المحذورين، أو لعدم معرفة العامّي كيفيّته وطريقه، أو لاستلزامه العسر والحرج، بل إخلال النظام.
وقد يستدل على هذا (حكم وجوب الاجتهاد وجوباً نفسياً كفائياً) في هذا المقام بقوله تعالى: «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» [٢]، فإنّها ظاهرة في وجوب تحصيل الأحكام الشرعية كفائياً، ويؤيدها ما ورد من الأخبار في تفسير الآية الكريمة [٣]).
[١]
التنقيح في شرح العروة (الاجتهاد والتقليد) ١: ١٤- ١٦، مع تصرف في العبارات.
[٢] التوبة: ١٢٢.
[٣] الوسائل ٢٧: ١٤٠، ب ١١ من صفات القاضي، ح ١٠.