الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٢٠١
والروايات فحسب في استدلالاتهم الفقهية.
ولعلّ السبب لهذه المعارضة الشديدة من الأخباريين للاجتهاد وشجبهم لمدرسته يرجع إلى أمرين:
الأوّل: أنهم فسّروا مصطلح الاجتهاد بالمعنى الأوّل الذي ذكرناه، أي كونه التفكير الشخصي للفقيه في المسألة إذا لم يوجد فيها نص، وقالوا بأنّ هذا التفكير يقوم على أثر الاعتبارات العقلية والمناسبات الظنّية التي تؤدي إلى ترجيحه بصفة كونه حكماً اجتهادياً ذا طابع شرعي، كما هو المتداول في مدارس الفقه السنّي. ولأجل هذا التفسير شنّت هذه الجماعة هجوماً شديداً على مدرسة الاجتهاد لدى فقهاء الامامية، خصوصاً أنّهم وجدوا في تراثنا المعارضة الشديدة التي أبداها أئمّة أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم لهذا المعنى من الاجتهاد.
الثاني: ما أفادوه من أن علم الاصول لم يكن موجوداً في عصر التشريع وزمان الأئمّة عليهم السلام، بل أنّ أصحاب الأئمّة عليهم السلام عملوا على طبق النصوص التشريعية حرفيّاً، بلا حاجة إلى علم الاصول وتطبيق القواعد العامة في الفقه. وعليه لا يمكن إثبات أنّ الشارع قد سمح بالاجتهاد، ومع عدم السماح بها لا حاجة إلى علم الاصول؛ لأنّ الحاجة إليه تنبع من واقع حاجة عملية الاجتهاد والاستنباط إليه.
ويمكن نقد كلا الأمرين بما يلي: أمّا الأمر الأوّل، فلأنّ معنى الاجتهاد لدى الاصوليين من فقهاء أهل البيت ليس هو المعنى الأوّل المذكور والذي تداولته مدارس الفقه السنّي، فإنّ علماءنا لم يقولوا بالاجتهاد بهذا التفسير على امتداد التاريخ المعاصر للاجتهاد، بداهة أنّ الاجتهاد بمعنى الرأي عندهم ليس مصدراً من مصادر الحكم الشرعي في مقابل النصوص التشريعية، كيف؟! وأنّهم شجبوا الاجتهاد بهذا المعنى شجباً شديداً على طول الخط، تبعاً للروايات المأثورة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام. بل الاجتهاد عندهم بمعنى استنباط الحكم الشرعي من الدليل وتعيين الموقف العملي به تجاه الشريعة، ومعنى الاستنباط عندهم هو تطبيق القواعد العامة المشتركة المحدّدة- والتي ثبتت حجّيتها شرعاً في اصول الفقه بالكتاب أو السنّة أو العقل بنحو الجزم والقطع- على مواردها