تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٥٦٠
وبعث الأشعث بن قيس ابنه قيس بن الأشعث صبيحة ضرب عليّ فقال : أي بني انظر كيف أصبح أمير المؤمنين ، فذهب فنظر إليه ثم رجع ، فقال : رأيته عينيه داخلتين في رأسه ، فقال الأشعث : عيني دميغ وربّ الكعبة ، قال : ومكث عليّ يوم الجمعة وليلة السبت وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربعين ، وغسّله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ، وكفّن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص.
قالوا [١] : وكان عبد الرّحمن بن ملجم في السجن ، فلما مات علي ودفن بعث الحسن بن علي إلى عبد الرّحمن بن ملجم ، فأخرجه من السجن ليقتله ، فاجتمع الناس ، وجاءوا بالنفط والبواريّ والنار ، فقالوا : نحرقه؟ فقال عبد الله بن جعفر وحسين بن علي ومحمّد بن الحنفية دعونا حتى نشفي أنفسنا منه ، فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه ، فلم يجزع ولم يتكلم ، فكحل عينيه بمسمار محمّى فلم يجزع وجعل يقول : إنّك لتكحل عيني عمك بملمول [٢] مضّ وجعل يقرأ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ)[٣] حتى أتى على آخر السورة كلها ، وإنّ عينيه لتسيلان ، ثم أمر به فعولج عن لسانه ليقطعه فجزع ، فقيل له : قطعنا يديك ورجليك وسملنا عينيك يا عدوّ الله فلم تجزع ، فلما صرنا إلى لسانك جزعت ، فقال : ما ذاك من جزع إلّا أنّي أكره أن يكون في الدنيا فواقا لا أذكر الله ، فقطعوا لسانه ، ثم جعلوه في قوصرة وأحرقوه بالنار ، والعباس بن علي يومئذ صغير ، فلم يستأن به بلوغه.
وكان عبد الرّحمن بن ملجم رجلا أسمر ، حسن الوجه ، أبلج شعره مع شحمة أذنيه [٤] ، في جبهته أثر السجود.
أخبرنا أبو علي بن السبط ، أنا أبو محمّد الجوهري.
ح وأخبرنا أبو القاسم بن الحصين ، أنا أبو علي الواعظ.
قالا : أنا أبو بكر بن مالك ، نا عبد الله بن أحمد [٥] ، حدّثني أبي ، أنا أبو أحمد ، نا شريك ، عن عمران بن ظبيان ، عن أبي تحيا قال :
لما ضرب ابن ملجم عليا الضربة قال علي : افعلوا به كما [٦] أراد رسول الله ٦ أن
[١] طبقات ابن سعد ٣ / ٣٩.
[٢] الملمول : المكحال (اللسان).
[٣] سورة العلق ، الآيتان : ١ ـ ٢.
[٤] الأصل : أذنه ، والمثبت عن ابن سعد.
[٥] مسند أحمد بن حنبل ١ / ٢٠٠ رقم ٧١٣ طبعة دار الفكر ـ بيروت.
[٦] في مسند أحمد : ما أراد.