تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٥٠١
الملحدة التي قد بني [١] على الخراب فناؤها [٢] ، وشيّد بالتراب بناؤها ، فمحلّها مقترب ، وساكنها مغترب ، بين أهل عمارة [٣] موحشين وأهل محلة متشاغلين ، لا يستأنسون بالعمران [٤] ، ولا يتواصلون تواصل الجيران ، على ما بينهم من قرب الجوار ، ودنو الدار ، وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكله البلى ، وأكلتهم الجنادل والثرى ، فأصبحوا بعد الحياة أمواتا ، وبعد غضارة العيش رفاتا ، فجع بهم الأحباب ، وسكنوا التراب ، وظعنوا فليس لهم إياب ، هيهات هيهات ، كلّا إنها كلمة هو قائلها ، ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ، وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من الوحدة والبلاء في دار الموتى ، وارتهنتم في ذلك المضجع ، وضمّكم ذلك المستودع ، فكيف بكم لو قد تناهت الأمور وبعثرت القبور ، وحصّل ما في الصدور ، وأوقفتم للتحصيل بين يدي ملك جليل ، فطارت القلوب لإشفاقها من سالف الذنوب ، وهتكت عنكم الحجب والأستار ، وظهرت منكم العيوب والأسرار ، هنالك تجزى كلّ نفس بما كسبت (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى)[٥](وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)[٦] جعلنا الله وإياكم عاملين بكتابه متّبعين لأوليائه حتى يحلنا وإياكم دار المقامة من فضله ، إنّه حميد مجيد.
أخبرنا أبو القاسم بن السّمرقندي ، أنا أبو محمّد أحمد بن علي بن الحسن بن أبي عثمان ، أنا أبو طاهر محمّد بن علي بن عبد الله بن مهدي ، أنا أبو طاهر أحمد بن محمّد بن عمرو المدني [٧] ، نا يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة الصّدفي [٨] ، نا يحيى بن حسّان ، حدّثني محمّد بن مسلم بن أبي الوضّاح البصري ، حدّثني ثابت أبو سعيد ، حدّثني يحيى بن يعمر.
أن عليّ بن أبي طالب خطب الناس ، فحمد الله ، وأثنى عليه ثم قال [٩] :
[١] الأصل : «التي قد بين الخراب فناؤها» والمثبت والزيادة عن نهج البلاغة.
[٢] الأصل : «التي قد بين الخراب فناؤها» والمثبت والزيادة عن نهج البلاغة.
[٣] في نهج البلاغة : بين أهل محلة موحشين ، وأهل فراغ متشاغلين.
[٤] نهج البلاغة : لا يستأنسون بالأوطان.
[٥] سورة النجم ، الآية : ٣١.
[٦] سورة الكهف ، الآية : ٤٩.
[٧] ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٥ / ٤٣٠ وفيها : المديني.
[٨] ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٢ / ٣٤٨.
[٩] قارن ما ما ورد في نهج البلاغة الخطبة ٢٣ وتشتمل على تهذيب الفقراء بالزهد وتأديب الأغنياء بالشفقة.
وانظر البداية والنهاية ٨ / ٨.