تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤٩٧
حدّثني من سمع علي بن أبي طالب يخطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
عباد الله ، الموت ليس منه فوت ، إن أقمتم له أخذكم ، وإن فررتم منه أدرككم ـ وفي حديث إسماعيل [١] : وإن فررتم أدرككم ـ الموت معقود بنواصيكم ، فالنجا النجا ، والوحا الوحا ، وراءكم ـ وقال إسماعيل : فإن وراءكم ـ طالب حثيث القبر ، احذروا ضنكه ، وظلمته ، وضيقته ، ألا إن القبر حفرة من حفر جهنم ، أو روضة من رياض الجنة ، ألا وإنه يتكلم في كلّ يوم ثلاث مرات فيقول : أنا بيت الوحشة ، أنا بيت الظلمة ، أنا بيت الدود ، ألا وإن وراء ذلك اليوم أشدّ من ذلك اليوم ، نار حرّها شديد ، وقعرها عميق ، وحبلها [٢] حديد ، ليس لله فيها رحمة.
فبكى المسلمون حوله بكاء شديدا ، فقال : وإن وراء ـ وقال إسماعيل : وإن من وراء ذلك جنة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين ، أجارنا الله وإيّاكم من العذاب الأليم.
أخبرنا أبو القاسم العلوي ، أنا رشأ بن نظيف ، أنا الحسن بن إسماعيل ، أنا أحمد بن مروان ، أنا أحمد بن يوسف التغلبي ، نا ابن نمير ، عن وكيع [٣] ، عن عمر [٤] بن منبه ، عن أوفى بن دلهم ، عن علي بن أبي طالب أنه خطب الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
أما بعد ، فإنّ الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع ، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطّلاع ، وإنّ المضمار اليوم وغدا السباق ، ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه من أجل [٥] ، فمن قصّر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خيّب عمله ، ألا فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة ، ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها ، ولم أر كالنار نام هاربها ، ألا وإنه من لم ينفعه الحقّ ضرّه الباطل ، ومن لم يستقم به الهدى حار [٦] به الضلال ، ألا وانكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد.
ألا أيها الناس إنّما الدنيا عرض حاضر ، يأكل منها البرّ والفاجر ، وأن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر ، ألا إن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ، والله يعدكم
[١] يعني أبا القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل.
[٢] كذا رسمها بالأصل بدون إعجام ، وفوقها ضبة ، وفي المطبوعة : وحبلها حديد.
[٣] من طريقه رواه ابن كثير في البداية والنهاية ٨ / ٧ ـ ٨.
[٤] كذا بالأصل والمطبوعة ، وفي ابن كثير : عمرو بن منبه.
[٥] بعدها في نهج البلاغة بشرح محمد عبده ص ١٢٥ : فمن عمل في أيام أمله قبل حضور أجله نفعه عمله ، ولم يضرره أجله.
[٦] كذا بالأصل والمطبوعة ، وفي البداية والنهاية : حاد به.