تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٣٩
وقال : انزل يا سلمان ، فحللت عيني ، ونزلت ، فإذا أرض قوراء لا ماء ولا شجر ، ولا عود ولا حجر ، فلمّا بان الفجر أقام علي الصّلاة ، وتقدّم وصلّى بنا أنا والشيخ ، ولا أزال أسمع الحس حتى إذا سلّم عليّ التفت فإذا خلق عظيم لا يسمعهم إلّا الخطيب الصيت الجهير ، فأقام علي يسبّح ربه حتى طلعت الشمس ، ثم قام بينهم خطيبا ، فخطبهم واعترضه منهم مردة ، فأقبل علي عليهم فقال : أفبالحق [١] تكذبون وعن القرآن تصدفون ، وبآيات الله تجحدون ، ثم رفع طرفه إلى السماء فقال : بالكلمة العظمى ، والأسماء الحسنى ، والعزائم الكبرى ، والحيّ القيوم محيي الموتى ، ورب الأرض والسماء ، يا حرسة الجن ، ورصدة الشياطين ، خدام الله الشراهاليين [٢] ذوي الأرواح الطاهرة ، اهبطوا بالجمرة التي لا تطفى ، والشهاب الثاقب ، والشواظ المحرق ، والنحاس القاتل بألمص ، والذاريات ، وكهيعص ، والطواسين ، ويس ، ونون والقلم وما يسطرون ، والنجم إذا هوى ، والطور ، وكتاب مسطور في رق منشور ، والبيت المعمور ، والأقسام والأحكام ، ومواضع النجوم ، لما أسرعتم الانحدار إلى المردة المتولعين المتكبرين الجاحدين لآيات رب العالمين.
قال سلمان : فحسست بالأرض من تحتي ترتعد ، وسمعت في الهواء دويا شديدا ، ثم نزلت نار من السماء صعق لها كل من رآها من الجن ، وخرّت على وجوهها مغشيا عليها ، وخررت أنا على وجهي ، ثم أفقت فإذا دخان يفور من الأرض يحول بيني وبين النظر إلى عبثة [٣] المردة من الجن ، فأقام الدخان طويلا بالأرض ، قال سلمان : فصاح بهم عليّ : ارفعوا رءوسكم فقد أهلك الله الظالمين ، ثم عاد إلى خطبته ، فقال : يا معشر الجن والشياطين والغيلان وبني شمراج [٤] وبني [٥] نجاح وسكان [٦] الآجام والرمال والأقعار وجميع شياطين البلدان ، اعلموا أن الأرض قد ملئت عدلا كما كانت مملوءة جورا ، هذا هو الحق (فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)[٧].
قال سلمان : فعجبت الجن لعلمه وانقادوا مذعنين له وقالوا : آمنا بالله وبرسوله ، وبرسول رسوله ، لا نكذب ، وأنت الصّادق المصدق.
[١] في «ز» ، وم : أبالحق تكذبون.
[٢] كذا بالأصل ، وم ، و «ر» ، والمطبوعة.
[٣] كذا بالأصل ، وم ، و «ز» ، والمطبوعة : «إلى عبثة» وفي المختصر : عتية المردة.
[٤] في م : سمراخ.
[٥] كذا بالأصل ، وفي «ز» : «وآل نجاح» وفي م : وكل نجاح.
[٦] كذا بالأصل وم و «ز» ، وفي المطبوعة : سكان ، بدون واو.
[٧] سورة يونس ، الآية : ٣٢.