المفردات في غريب القرآن - مع ملاحظات العاملي (الكوراني) - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٤٨٨ - ظَلَمَ
ظَلِيمٌ . والظُّلْمُ : يقال في مجاوزة الحق الذي يجري مجرى نقطة الدائرة ، ويقال فيما يكثر وفيما يقل من التجاوز ، ولهذا يستعمل في الذنب الكبير وفي الذنب الصغير ، ولذلك قيل لآدم في تعديه ظالم ، وفي إبليس ظالم ، وإن كان بين الظُّلْمَيْنِ بون بعيد .
قال بعض الحكماء : الظُّلْمُ ثلاثةٌ ، الأول : ظُلْمٌ بين الإنسان وبين الله تعالى ، وأعظمه الكفر والشرك والنفاق ، ولذلك قال : إن الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ «لقمان: ١٣ » وإياه قصد بقوله : أَلا لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ «هود: ١٨ » وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً «الإنسان: ٣١ » في آي كثيرة . وقال : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى الله «الزمر: ٣٢ » وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى الله كذباً «الأنعام: ٩٣ » .
والثاني : ظُلْمٌ بينه وبين الناس ، وإياه قصد بقوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ إلى قوله : إنهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . وبقوله : إنمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ «الشوری: ٤٢ » وبقوله : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً «الإسراء: ٣٣ » .
والثالث : ظُلْمٌ بينه وبين نفسه ، وإياه قصد بقوله : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ «فاطر: ٣٢ » وقوله : ظَلَمْتُ نَفْسِي «النمل: ٤٤ » إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ «النساء: ٦٤ » فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ «البقرة: ٣٥ » أي من الظَّالِمِينَ أنفسهم ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ «البقرة: ٢٣١ » .
وكل هذه الثلاثة في الحقيقة ظُلْمٌ للنفس ، فإن الإنسان في أول ما يهم بالظُّلْمِ فقد ظَلَمَ نفسه .
فإذاً ، الظَّالِمُ أبداً مبتدئ في الظُّلْمِ ، ولهذا قال تعالى في غير موضع : ما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ «النحل: ٣٣ »
وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ «البقرة: ٥٧ » .
وقوله : وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ «الأنعام: ٨٢ » فقد قيل : هو الشرك ، بدلالة أنه لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب النبي×وقال لهم : ألم تروا إلى قوله : إن الشِّرْكَ