المفردات في غريب القرآن - مع ملاحظات العاملي (الكوراني) - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٤٣٤ - شَهِدَ
قال بعض الحكماء : إن الله تعالى لما شهد لنفسه كان شهادته أن أنطق كل شئ كما نطق بالشهادة له . وشهادة الملائكة بذلك : هو إظهارهم أفعالاً يؤمرون بها ، وهي المدلول عليها بقوله : فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً «النازعات: ٥ » .
وشهادة أولي العلم : اطَّلاعهم على تلك الحِكم وإقرارهم بذلك . وهذه الشهادة تختص بأهل العلم ، فأما الجهال فمبعدون منها ، ولذلك قال في الكفار : ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلاخَلْقَ أَنْفُسِهِمْ «الكهف: ٥١ » .
وعلى هذا نبَّه بقوله : إنما يَخْشَى الله مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ «فاطر: ٢٨ » وهؤلاء هم المعنيون بقوله : وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ «النساء: ٦٩ » .
وأما الشَّهِيدُ : فقد يقال لِلشَّاهِدِ ، والمُشَاهِدِ للشئ ، وقوله : مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ «ق: ٢١ » أي من شهد له وعليه ، وكذا قوله : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كل أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً «النساء: ٤١ » .
وقولـه : أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ «ق: ٣٧ » أي يشهدون ما يسمعونه بقلوبهم على ضد من قيل فيهم : أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ «فصلت: ٤٤ » .
وقوله : أَقِمِ الصَّلاةَ ، إلى قوله : مَشْهُوداً ، أي يشهد صاحبه الشفاء والرحمة والتوفيق والسكينات والأرواح المذكورة في قوله : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ «الإسراء: ٨٢ » . وقوله : وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ «البقرة: ٢٣ » فقد فسَّر بكل ما يقتضيه معنى الشهادة ، قال ابن عباس : معناه أعوانكم ، وقال مجاهد : الذين يشهدون لكم ، وقال بعضهم : الذين يعتدُّ بحضورهم ولم يكونوا كمن قيل فيهم : مخلَّفونَ ويقضـي الله أمْرَهُمُ
وهمْ بغَيْبٍ وفي عَمْيَاءَ مَا شَعَرُوا
وقد حمل على هذه الوجوه قوله : وَنَزَعْنا مِنْ كل أُمَّةٍ شَهِيداً «القصص: ٧٥ » وقولـه : وَإنهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ «العاديات: ٧ » إنهُ عَلى كل شَئ شَهِيدٌ «فصلت: ٥٣ » وَكَفى بِالله شَهِيداً «النســاء: ٧٩ » فإشارة إلى قوله : لا يَخْفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَئ «غافـــر: ١٦ » . وقــوله : يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى «طه: ٧ » ونحو ذلك مما نبه على هذا النحو .
والشَّهِيدُ : هو المحتضرفتسميته بذلك لحضور الملائكة إياه ، إشارة إلى ما قال : تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا . . الآية «فصلت: ٣٠ » قال : وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ «الحديد: ١٩ » . أو لأنهم يَشْهَدُونَ في تلك الحالة ما أعد لهم من النعيم ، أو لأنهم تشهد أرواحهم عند الله كما قــال : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُـــوا فِي سَبِيلِ الله أَمْواتـــــــاً بَلْ أَحْيــــاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمــا آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ «آل عمران: ١٦٩ » . وعلى هذا دل قوله : وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ .
وقوله : وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ «البروج: ٣ » قيل : الْمَشْهُودُ يوم الجمعة ، وقيل : يوم عرفة ، ويوم القيامة . وشَاهِدٌ : كل من شهده . وقوله : يَوْمٌ مَشْهُودٌ «هود: ١٠٣ » أي مُشَاهَد تنبيهاً [على] أن لا بد من وقوعه .
والتشَهُّدُ : هو أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله . وصار في التعارف إسماً للتحيات المقروءة في الصلاة ، وللذكر الذي يقرأ ذلك فيه .
. ملاحظات .
المعنى المتبادر لشهادة الملائكة وأولي العلم بوحدانية الله تعالى ، إدراكهم لها بيقين وشهادتهم بها .
لكن الراغب جعلها شهادةً عن حِسٍّ ، لأن الله أشهدهم