المفردات في غريب القرآن - مع ملاحظات العاملي (الكوراني) - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٤١٩ - شَرِبَ
حزامه للعَدْو ، كما يقال : ألقى ثيابه : إذا طرحه للعدو ، وأن يكون من قولهم : اشتدت الريح ، قال تعالى : اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ «إبراهيم: ١٨ » .
. ملاحظات .
عرَّف الراغب الشدَّ بالعقد القوي ، وقال إن شَدَدْتُ الشئ بمعنى قويت عقده . وهذا لا يصح لأن شدَّ الشئ قد يكون بمعنى جَرَّهُ .
وقد اشتبه الراغب في فهم عبارة ابن فارس ، فقد ذكر شد العقدة مثلاً ، قال «٣/١٧٩ » : « من ذلك شددت العقد شداً أشده » . كما أن تفسيره لَشَدَدْنا أَسْرَهُم بشد العقدة لا يصح ، نعم شد الوثاق قد يستلزم شد العقدة .
ولم يستوف الراغب آيات المادة . وقد استعملت في : شد المُلك ، وشد العضد ، وشد الأزر ، والشد على القلب ، واشتداد الريح ، والبأس الشديد ، والبطش الشديد ، والزلزال الشديد . وأشدُّ عداوةً . وأشدُّ قوةً . وأشدُّ كفراً ونفاقاً . وأشدُّ خَلْقاً . وأشدُّ بطشاً . وأشد رهبةً . وأشد رهبةً . وأشد وطأةً . واستعملت كثيراً في العذاب الشديد ، والعقاب الشديد .
شَرّ
الشَّرُّ : الذي يرغب عنه الكل ، كما أن الخير هو الذي يرغب فيه الكل ، قال تعالى : شَرٌّ مَكاناً «يوسف: ٧٧ » وإن شَرَّ الـدَّوَابِّ عِنْدَ الله الصُّمُ «الأنفال: ٢٢ » . وقد تقدم تحقيق الشر مع ذكر الخير وذكر أنواعه .
ورجل شَرٌّ وشِرِّيرٌ : متعاطٍ للشر ، وقوم أَشْرَارٌ .
وقد أَشْرَرْتُهُ : نسبته إلى الشر . وقيل : أَشْرَرْتُ كذا : أظهرته ، واحتُجَّ بقول الشاعر :
إذا قيل أيُّ الناس شرٌَّ قَبِيلَةً
أشَرَّتْ كُلَيْبٌ بالأكُفِّ الأصَابعِ
فإن لم يكن في هذا إلا هذا البيت فإنه يحتمل أنها نسبت الأصابع إلى الشر بالإشارة إليه ، فيكون من أشررته إذا نسبته إلى الشر . والشُّرُّ : بالضم خُصَّ بالمكروه .
وشَرَارُ النّار : ما تطاير منها ، وسميت بذلك لاعتقاد الشر فيه قال تعالى : تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ «المرسلات: ٣٢ » .
. ملاحظات .
من تكلف الراغب استشهاده ببيت الفرزدق وهو مشهور من مساجلاته مع جرير ونصه :
أشارت كليبٌ بالأكفِّ الأصابعُ «خزانة الأدب: ٩/١١٥ » فليس فيه شاهد . لكنه جعله أشَرَّتْ ولم يروه أحدٌ بهذا اللفظ !
أما قوله : «وقد تقدم تحقيق الشر مع ذكر الخير وذكر أنواعه » فلم يتقدم منه ما يشفي الغليل .
والظاهر أن الخير والشر يستعملان في القرآن مرة بالمعنى الواقعي ، ومرة بالمعنى العرفي . فقوله تعالى : إِنَّ الآنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ . وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيــدٌ . وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ . فالخيـــــر الذي يحبه خيرٌ عرفي ، حسب رأيه ، وقد يكون شراً له واقعاً .
وقال تعالى : إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًـا . وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا . أي ما يحسبه شراً وخيراً . وقــال تعـــالى : لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ . فما تحسبه شراً قد يكون خيراً في الواقع ، وبالعكس .
شَرِبَ
الشُّرْبُ : تناول كل مائع ، ماء كان أو غيره . قال تعالى في صفة أهل الجنة : وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً «الإنسان: ٢١ » وقال في صفة أهل النار : لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ «يونس: ٤ » .
وجمع الشَّرَاب أَشْرِبَةٌ ، يقال : شَرِبْتُهُ شَرْباً وشُرْباً . قال عز وجل : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي . إلى قولـه : فَشَرِبُوا مِنْهُ . وقال : فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ «الواقعة: ٥٥ » .
والشِّرْبُ : النصيب منه قال تعالى : هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ «الشعراء: ١٥٥ » وقــال : كل شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ «القمر: ٢٨ » .
والْمَشْرَبُ : المصدر ، وإسم زمان الشُّرب ، ومكانه ، قال تعالى : قَدْ عَلِمَ كل أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ «البقرة: ٦٠ » . والشَّرِيبُ : المُشَارِبُ والشَّرَابُ . وسمي الشَّعر الذي على الشفة العليا ، والعرق الذي في باطن الحلق شارباً ، وجمعه : شَوَارِبُ ، لتصورهما بصورة الشاربين ، قال الهذلي في صفة عِير :
صَخْبُ الشَّوارب لا يَزَال كَأَنَّهُ
[عَبْدٌ لآلِ أبي ربيعةَ مُسْبِعُ]
وقوله تعالى : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ «البقرة: ٩٣ » قيل : هو من قولهم : أَشْرَبْتُ البعير ، أي شددت حبلاً في عنقه ، قال الشاعر : فأَشْرَبْتُهَا الأقْرَانَ حَتَّى وَقَصْتُها
بِقَرْحٍ وقد أَلْقَيْنَ كُلَّ جَنِينِ
فكأنما شُدَّ في قلوبهم العجل لشغفهم .
وقال بعضهم : معناه أُشْرِبَ في قلوبهم حبُّ العجل ، وذلك أن من عادتهم إذا أرادوا العبارة عن مخامرة حب أو بغض ، استعاروا له إسم الشراب ، إذ هو أبلغ إنجاع في البدن ، ولذلك قال الشاعر :
تَغَلْغَلَ حَيْثُ لم يَبْلُغْ شَرَابٌ
ولا حُزْنٌ ولم يَبْلُغْ سُرورُ
ولو قيل : حب العجل لم يكن له المبالغة ، فإن في ذكر العجل تنبيهاً [على] أنه لفرط شغفهم به صارت صورة العجل في قلوبهم لا تنمحي . وفي مَثَلٍ : أَشْرَبْتَنِي ما لم أشرب ، أي ادعيت عليَّ ما لم أفعل .
. ملاحظات .
لم يجزم الراغب بتفسير أشربوا في قلوبهم العجل بأنه حب العجل مع أنه واضح . وهو من مبتكرات القرآن .