المفردات في غريب القرآن - مع ملاحظات العاملي (الكوراني) - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٤٨٣ - طَوَعَ
الطوْعُ : الإنقيادُ ويضادُّه الكره . قال عز وجل : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً «فصلت: ١١ » . وَلَهُ أَسْـلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً «آل عمران: ٨٣ » .
والطاعَةُ : مثله ، لكن أكثر ما تقال في الإئتمار لما أمر ، والإرتسام فيما رسم . قال تعالى : وَيَقُولُونَ طاعَةٌ «النساء: ٨١ » طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ «محمد: ٢١ » أي أَطِيعُوا .
وقد طَاعَ له يَطُوعُ ، وأَطَاعَهُ يُطِيعُهُ . قال تعالى : وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ «التغابن: ١٢ » مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله «النساء: ٨٠ » وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ «الأحزاب: ٤٨ » وقوله في صفة جبريل× : مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ «التكوير: ٢١ » .
والتطَوُّعُ : في الأصل تكلفُ الطاعَةِ ، وهو في التعارف التبرع
بما لا يلزم كالتنفُّل ، قـال : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ
«البقرة: ١٨٤ » وقرئ : ومن يَطَّوَّعْ خيراً .
وَالاسْتِطَاعَةُ : استفعالة من الطوْعِ ، وذلك وجود ما يصير به الفعل متأتياً . وهي عند المحققين : إسم للمعاني التي بها يتمكن الإنسان مما يريده من إحداث الفعل ، وهي أربعة أشياء : بنية مخصوصة للفاعل . وتصور للفعل ، ومادة قابلة لتأثيره ، وآلة إن كان الفعل آلياً كالكتابة ، فإن الكاتب يحتاج إلى هذه الأربعة في إيجاده للكتابة . وكذلك يقال : فلان غير مستطيع للكتابة : إذا فقد واحداً من هذه الأربعة فصاعداً .
ويضادُّه العجز ، وهو أن لا يجد أحد هذه الأربعة فصاعداً ، ومتى وجد هذه الأربعة كلها فَمُسْتَطِيعٌ مطلقاً ، ومتى فقدها فعاجز مطلقاً ، ومتى وجد بعضها دون بعض فَمُسْتَطِيعٌ من وجه عاجز من وجه ، ولأن يوصف بالعجز أولى .
والإسْتِطَاعَةُ أخص من القدرة . قال تعالى : لايَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ «الأنبياء: ٤٣ »فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ «الذاريات: ٤٥ » مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا «آل عمران: ٩٧ » فإنه يحتاج إلى هذه الأربعة . وقوله× : الإسْتِطَاعَةُ الزادُ والراحلة ، فإنه بيان ما يحتاج إليه من الآلة ، وخصه بالذكر دون الأُخَر إذ كان معلوماً من حيث العقل . ومقتضى الشرع أن التكليف من دون تلك الأُخَر لا يصح .
وقوله : لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ «التوبة: ٤٢ » فإشارة بالإسْتِطَاعَةِ هاهنا إلى عدم الآلة من المال والظهر والنحو «ونحوه » .
وكذلك قوله : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا «النساء: ٢٥ » وقوله : لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً «النساء: ٩٨ » وقد يقال : فلانٌ لا يَسْتَطِيعُ كذا : لما يصعب عليه فعله لعدم الرياضة ، وذلك يرجع إلى افتقاد الآلة ، أو عدم التصور ، وقد يصح معه التكليف ، ولا يصير الإنسان به معذوراً .
وعلى هذا الوجه قال تعالى : لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً «الكهف: ٦٧ » ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَماكانُوا يُبْصِرُونَ «هود: ٢٠ » وقال : وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً «الكهف: ١٠١ » .
وقد حمل على ذلك قوله : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا
«النساء: ١٢٩ » . وقوله تعالى : هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا «المائدة: ١١٢ » فقيل : إنهم قالوا ذلك قبل أن قويت معرفتهم بالله . وقيل : إنهم لم يقصدوا قصد القدرة ، وإنما قصدوا أنه هل تقتضي الحكمة أن يفعل ذلك .
وقيل : يَسْتَطِيعُ ويُطيعُ بمعنى واحدٍ . ومعناه : يجيب ، كقوله : ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ «غافر: ١٨ » أي يجاب ، وقرئ : هل تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ أى سؤالَ رَبِّكَ ، كقولك : هل يَسْتَطِيعُ الأَمِيرُ أن يفعل كذا .
وقولـه : فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ «المائدة: ٣٠ » نحو : أسمحت له قرينته وانقادت له وسولت . وطَوَّعَتْ أبلغُ من أَطَاعَتْ ،