المفردات في غريب القرآن - مع ملاحظات العاملي (الكوراني) - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٤٠٢ - سَمَكَ
أحدهما : دعاء على الإنسان بالصمم . والثاني : دعاء له . فالأول نحو : أَسْمَعَكَ الله ، أي جعلك الله أصم .
والثاني : أن يقال : أَسْمَعْتُ فلاناً ، إذا سببته ، وذلك متعارف في السَّب . وروي أن أهل الكتاب كانوا يقولون ذلك للنبي|يوهمون أنهم يعظمونه ويدعون له ، وهم يدعون عليه بذلك .
وكل موضع أثبت الله السمع للمؤمنين ، أو نفاه عن الكافرين ، أو حثَّ على تَحَرِّيه ، فالقصد به إلى تصور المعنى والتفكر فيه ، نحو : أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها «الأعراف: ١٩٥ » ونحـــو : صُمٌّ بُكْمٌ «البــقرة: ١٨ » ونحـــو : فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ «فصلت: ٤٤ » .
وإذا وصفت الله تعالى بِالسَّمْعِ ، فالمراد به علمه بِالْمَسْمُوعَاتِ ، وتحريه بالمجازاة بها نحو : قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِهــا «المجادلة: ١ » لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا «آل عمران: ١٨١ » وقوله : إنكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْـــــمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ «النمل: ٨٠ » أي لاتفهمهم لكونهم كالموتى في افتقادهم بسوء فعلهم القوة العاقلة التي هي الحياة المختصة بالإنسانية .
وقوله : أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ «الكهف: ٢٦ »أي يقول فيه تعالى ذلك من وقف على عجائب حكمته ، ولا يقال فيه : ما أبصره وما أسمعه ، لما تقدم ذكره «من » أن الله تعالى لا يوصف إلّا بما ورد به السمع .
وقوله في صفة الكفار : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا «مريم: ٣٨ » معناه : أنهم يسمعون ويبصرون في ذلك اليوم ما خفي عليهم ، وضلوا عنه اليوم لظلمهم أنفسهم وتركهم النظر .
وقال : خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا «البقرة: ٩٣ » سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ «المائدة: ٤٢ » أي يسمعون منك لأجل أن يكذبوا . سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ «المائدة: ٤١ » أي يسمعون لمكانهم .
والِاسْتِمَاعُ : الإصغاء نحو : نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ ، إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ «الإسراء: ٤٧ » وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ «محمد: ١٦ » وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ «يونس: ٤٢ » وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ «ق: ٤١ » وقوله : أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ «يونس: ٣١ » أي من الموجد لِأَسْمَاعِهِمْ وأبصارهم والمتولي لحفظها . والْمِسْمَعُ والْمَسْمَعُ : خرق الأذن ، وبه شبه حلقة مسمع الغرب .
. ملاحظات .
قال أكثر المفسرين إن معنى قوله تعالى : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنـا : مَا أَسْمَعُهُم وما أبصرهم يومئذ ، بعد أن كانوا لايسمعون ولا يبصرون في الدنيا . لكنه صيغة تعجب مثل قولك : أكرم بزيد ، وأنعم به ، أو أبْعِدْ بزيد . ومعناه : فاعجب لحالهم يوم يأتوننا ، وأسمع الآخرين بهم وأبصرهم بهم ! ولا علاقة له بسمعهم هم وبصرهم ، في الدنيا أو الآخرة . ويدل عليه سياق الآية وهو : فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ . أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِـرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ . «مريم: ٣٧ » .
ويدل عليه أن هذه الصيغة استعملت لله تعالى في قوله تعــالى : قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِـــرْ بِـــهِ وَأَسْــــــمِعْ مَـــــــا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا
يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا . «الكهــف: ٢٦ » .
فالمعنى : أبصـر أنت وبصِّر الآخرين ، وأسمعهم بقدرته وعظمته وسطوته عز وجل .
سَمَكَ
السَّمْكُ : سَمْكُ البيت ، وقد سَمَكَهُ أي رفعه . قال : رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها «النازعات: ٢٨ » وقال الشاعر :
إن الذي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا