المفردات في غريب القرآن - مع ملاحظات العاملي (الكوراني) - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٣٨١ - سَجَرَ
والجمادات ، وذلك ضربان :
سجودٌ باختيار ، وليس ذلك إلا للإنسان ، وبه يستحق الثواب ، نحو قوله : فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا «النجم: ٦٢ » أي تذللوا له .
وسجودٌ تسخير ، وهو للإنسان والحيوانات والنبات ، وعلى ذلك قوله : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعـاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ «الرعد: ١٥ » وقوله : يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ «النحل: ٤٨ »
فهذا سجود تسخير ، وهو الدلالة الصامتة الناطقة المنبهة على كونها مخلوقة ، وأنها خلق فاعل حكيم .
وقوله : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ
وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ «النحل: ٤٩ » ينطوي على النوعين
من السجود : التسخير والإختيار .
وقوله : وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ «الرحمن: ٦ » فذلك على سبيل التسخير . وقولـــه : اسْجُدُوا لِآدَمَ «البقرة: ٣٤ » قيـل أُمِروا بأن يتخذوه قبلة ، وقيل أُمروا بالتذلل له والقيام بمصالحه ومصالح أولاده فائتمروا إلا إبليس . وقوله : ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّـداً «النساء: ١٥٤ » أي متذللين منقادين .
وخص السجود في الشريعة بالركن المعروف من الصلاة ، وما يجري مجرى ذلك من سجود القرآن ، وسجود الشكر ، وقد يعبَّر به عن الصلاة بقوله : وَأَدْبارَ السُّجُودِ «ق: ٤٠ » أي أدبار الصلاة . ويسمون صلاة الضحى : سُبْحَة الضحى ، وسُجُود الضحى . وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ «طه: ١٣٠ » قيل : أريد به الصلاة .
والمَسْجِدُ : موضع الصلاة ، اعتباراً بالسجود . وقوله : وَإن الْمَساجِدَ لِله «الجن: ١٨ » قيـل : عني به الأرض ، إذ قد جعلت الأرض كلها مسجداً وطهوراً ، كما روي في الخبر .
وقيل : الْمَسَاجِدَ مواضع السجود : الجبهة والأنف واليدان والركبتان والرجلان .
وقولـه : أَلَّا يَسْجُـدُوا لِله «النمـل: ٢٥ » أي يا قوم اسجدوا . وقوله : وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً «يوسف: ١٠٠ » أي متذللين ، وقيـل كان السجود على سبيل الخدمة في ذلك الوقت سائغاً ، وقول الشاعر : وافَى بِهَا لِدَرَاهِمِ الْإِسْجَادِ
عنى بها دراهم عليها صورة ملك سجدوا له .
. ملاحظات .
يقصد الراغب بسجود التسخير : السجود التكويني ، مقابل السجود الإرادي ، وقد فسر به عدة موارد للسجود في القرآن . لكن الله تعالى قال : تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِـنَّ وَإِنْ مِنْ شَئٍْ إِلا يُسَــبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ . ومعنـاه : أن كل موجـود مادي أو غيره يسبح الله تعالى تسبيحاً حقيقياً بإرادة ولغة وعقل بحسبه ، لكن لا نفهم تسبيحهم . وبهذا لا يبقى مجال للتسبيح التسخيري بدون إرادة .
أما قوله تعالى : وَللَّهِ يَسْجُــدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا . فلا بد أن يكون المراد بالكره فيه معنى آخر، وقد تقدم قول الراغب في سبح ، قال : «فذلك يقتضي أن يكون تسبيحاً على الحقيقة ، وسجوداً له على وجه لا نفقهه » .
سَجَرَ
السَّجْرُ : تهييج النار ، يقال سَجَرْتُ التنُّورَ ، ومنه : وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ، قال الشاعر :
إذا شاءَ طالعُ مَسْجُورَةٍ ترى حولها النبع والساسِمَا
وقوله : وَإِذَا الْبِحـارُ سُجِّرَتْ «التكوير: ٦ » أي أضرمت ناراً ، عن الحسن . وقيل : غيضت مياهها . وإنما يكون كذلك لتسجير النار فيه . ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ «غافر: ٧٢ » نحو : وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ «البقرة: ٢٤ » .