بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٩٤ - الأول إطلاقات أدلة التكليف بعد تقييدها بحديث رفع القلم
ومن الغريب أن بعض الأعلام (طاب ثراه) من تلامذته (قدس سره) [١] قد خلط بين التقريب المذكور في الاستدلال على شرعية عبادات الصبي وبين الوجه الثالث الآتي فحسبهما وجهاً واحداً، وناقش فيما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) مما تقدم نقله آنفاً على هذا الأساس، ولكن سيأتي أن المناقشة لا تتعلق بمورد كلامه (قدس سره) أصلاً.
التقريب الثاني: وهو يبتني على مقدمتين ..
المقدمة الأولى: أن المحقق في محله من علم الأصول أن حقيقة الحكم الوجوبي والاستحبابي هي النسبة الإيقاعية ــ أي إيقاع الشيء على ذمة المكلف ــ أو النسبة الطلبية ــ أي طلب الشيء من المكلف ــ وإنما الفرق بين الوجوب والاستحباب هو أنه في الاستحباب تقترن النسبة ــ سواء كانت إيقاعية أم طلبية ــ بالترخيص في الترك، وفي الوجوب لا تقترن هذه النسبة بالترخيص في الترك فيحكم العقل بلزوم الإتيان بالعمل، وهذا هو مبنى المحقق النائيني ومن وافقه ومنهم السيد الأستاذ (قدس سرهما) كما مرّت الإشارة إليه آنفاً.
المقدمة الثانية: أن المستفاد من حديث رفع القلم إنما هو جواز الترك لا أزيد، أي أن الصبي لا يعاقب على ترك الواجب، لا عدم كونه مشمولاً للخطابات الشرعية أصلاً.
وهذا ما أشار إليه المحقق الهمداني (قدس سره) في بعض كلماته [٢] .
وفي ضوء هاتين المقدمتين تثبت شرعية عبادة الصبي من أدلة التكاليف العامة نفسها، فإن المفروض أن النسبة الإيقاعية أو الطلبية المستفادة من مثل قوله تعالى: ((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)) تشمل البالغ وغيره على حد سواء، والمفروض أيضاً أن الذي يستفاد من حديث رفع القلم هو عدم معاقبة الصبي على شيء من أفعاله وتروكه، ومنها مخالفة التكليف بالصلاة والصيام والحج وغيرها، ومرجع هذا إلى الترخيص في ترك هذه العبادات، فإن
[١] بحوث في شرح العروة الوثقى ج:٤ ص:٣١.
[٢] مصباح الفقيه ج:٩ ص:٣٦٠.