بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٢٧ - ما أُستدل به على فورية وجوب الحج
بل المدعى اقتضاء الأمر للفور من جهة الإطلاق الذي يمكن رفع اليد عنه بقيام الدليل على لحاظ الطبيعي بجميع أفراده على سبيل البدل في مرحلة جعله متعلقاً للبعث، ومقتضى ذلك كون المكلف مخيراً في الإتيان بأي فرد منها مع التحفظ على وحدة الوجوب، أقصى الأمر كونه وجوباً تخييرياً.
ولكن هذا البيان قابل للمناقشة أيضاً، فإنه لما بني على عدم استحالة انفكاك البعث عن الانبعاث وكان متعلق البعث هو صرف وجود الطبيعي غير المقيد بكونه أول الوجودات، فمقتضى أصالة التطابق بين المراد الجدي والمراد الاستعمالي أن لا تكون خصوصية الفرد الأول ملحوظة في المراد الجدي، فالعقل يحكم بجواز تطبيق صرف الوجود على أي فرد من الأفراد الطولية. وعلى ذلك فمقتضى الإطلاق هو التخيير بين تلك الأفراد لا تعين الفرد الأول، وهو تخيير عقلي لا شرعي حيث لا حاجة إلى لحاظ الأفراد على سبيل البدل من قبل الشارع، بل يكفي جعل صرف وجود الطبيعي متعلقاً للطلب، فتدبر.
فتحصل مما تقدم: عدم تمامية الوجه الأول المذكور لإثبات فورية وجوب الحج، ولو كان تاماً لاقتضى أن تكون فوريته شرعية نفسية لأن مبناه دلالة الأمر نفسه على الفور، وقد قرروا في محله من علم الأصول أنه عند دوران الأمر بين كون الوجوب مولوياً أو إرشادياً فمقتضى القاعدة كونه مولوياً، وعند دوران الأمر بين كونه نفسياً أو طريقياً فمقتضى القاعدة كونه نفسياً، فتأمل.
الوجه الثاني: ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) ــ وقد ذكره آخرون أيضاً ــ قال (قدس سره) [١] : (إنه بعد استجماع الشرائط وفعلية الوجوب وتنجز التكليف في السنة الأولى ــ كما هو المفروض ــ يستقل العقل حينئذٍ بلزوم إحراز فراغ الذمة عن عهدة ما اشتغلت به من التكليف المنجز، إذ التأخير يحتاج إلى الدليل بعد احتمال فوات الواجب فيما بعد وعدم التمكن من الامتثال).
وحاصله: الاستناد إلى قاعدة الاشتغال ــ الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني ــ فإن المفروض تنجّز وجوب الحج على المكلف في عام الاستطاعة، فإذا
[١] مستند العروة الوثقى (كتاب الحج) ج:١ ص:٢٠.