بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٣٩ - استعراض كلمات الأعلام في المسألة ومناقشتها
بخروج قافلة أخرى ليس من جهة كون وجوب الخروج إلى الحج فورياً ليقال: إنه مما لا دليل عليه، بل من جهة أن التكليف بأداء الحج لما تنجز على المستطيع يلزمه إحراز الخروج عن عهدته، والمفروض أنه يتيسر بالانضمام إلى القافلة الأولى، وأما مع التخلف عنه فلا يحرز الخروج عن عهدة هذا التكليف لاحتمال عدم توفر قافلة أخرى فكيف يجوز ــ إذاً ــ ترك الخروج مع القافلة الأولى؟!
لا يقال: إنه يمكن إحراز بقاء التمكن من الخروج إلى الحج وامتثال التكليف المتعلق به إلى الزمان الثاني ــ أي إلى ما بعد خروج القافلة الأولى ــ استناداً إلى الاستصحاب الاستقبالي، إذ المفروض كون المكلف متمكناً من الخروج إلى الحج في الزمان الأول أي قبل مغادرة القافلة الأولى ويشك في استمرار تمكنه منه إلى الزمان الثاني أي بعد مغادرتها فلا مانع من إجراء الاستصحاب والاعتماد عليه في تأخير الخروج.
فإنه يقال: إن هذا الاستصحاب غير جارٍ في حدّ ذاته، لأن التمكن من الخروج إلى الحج وامتثال هذا التكليف متحقق في الزمان الأول من خلال التمكن من الخروج مع القافلة الأولى وهو مقطوع الانتفاء في الزمان الثاني، وإنما الشك في تبدله إلى التمكن من الخروج مع قافلة أخرى ليستمر التمكن من الخروج إلى الحج من خلاله، فيكون هذا من قبيل القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي المحقق في محله عدم جريانه.
مضافاً إلى أنه لو سلّم جريان الاستصحاب المذكور في حدّ نفسه إلا أن مقتضى معتبرة ذريح المحاربي عدم الاعتماد عليه، لأن المستفاد منها ــ كما مرّ مراراً ــ أنه لا يعذر أحد في ترك أداء حجة الإسلام إلا إذا كان مستنداً إلى أحد أمور ثلاثة: الفقر، والمرض، ومنع السلطان، ومن توفرت له الاستطاعة وتمكن من الخروج إلى الحج بالانضمام إلى قافلة متجهة إلى الديار المقدسة ولم يخرج لمجرد احتمال خروج قافلة ثانية ولكنها لم تخرج فلم يحج حتى مات إنما يستند عرفاً تركه لأداء الحج إلى تقصيره وإهماله لا إلى أحد الأمور المذكورة في