بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١١٥ - المناقشة في النصوص التي أُستدل بها على إرادة كفر منكر وجوب الحج من الآية الكريمة
أن الحكم بكفره إنما هو تنزيلي، أي أن حاله حال الكافر فيما بعد الموت، كما ورد في عدد من رواياتنا، منها صحيحة ذريح المحاربي [١] عن أبي عبد الله ٧ : ((من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحج، أو سلطان يمنعه، فليمت يهودياً أو نصرانياً)) وفي بعض النسخ ((فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً)) .
ونظير ذلك ما ورد عند الجمهور [٢] عن أبي أمامة قال: قال رسول الله(صلى اللّ?ه عليه و آله وسلم): ((من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه مرض حابس، أو سلطان جائر، أو حاجة ظاهرة، فليمت على أي حال شاء يهودياً أو نصرانياً)) .
فإن مفاد الروايتين وأضرابهما ليس هو كفر تارك الحج حقيقة ــ كما ربما يتوهم ــ بل مجرد أنه ممن لا ينفعه إسلامه بعد مماته سواء في القبر أو في عالم البرزخ أو في يوم القيامة، فحاله حال اليهودي والنصراني، وهذا هو المراد بالكفر التنزيلي. فمن ترك الحج حتى مات تجري عليه أحكام المسلم من وجوب تغسيله وتكفينه ودفنه ونحوها. ولكن هذا الإسلام لا ينفعه بعد موته.
فالنتيجة أنه لو سلم كون الكفر في صحيحة معاوية بن عمار إنما هو بالمعنى المقابل للإسلام إلا أنه لا يقتضي سقوطها عن الحجية لإمكان حمله على التنزيل أي كون تارك الحج منزّلاً منزلة الكافر، وعلى ذلك تصلح الصحيحة لمعارضة صحيحة علي بن جعفر التي يستفاد منها كون مفاد الآية هو كفر منكر وجوب الحج حقيقة لا كفر تاركه تنزيلاً.
الوجه الرابع: أنه لو سلم أن صحيح علي بن جعفر تام الدلالة على كفر منكر وجوب الحج وأنه لا معارض له في ذلك، إلا أنه مع ذلك لا مجال للاستدلال به على الحكم بكفر منكر وجوب الحج إذا كان إنكاره لشبهة.
والوجه في ذلك أن قول الإمام ٧ : ((من قال: ليس هذا هكذا فقد كفر)) مسوق لبيان المراد بـ(من كفر) من الآية الكريمة، وقد مـرّ سابقاً أنـه لو تمت
[١] الكافي ج:٤ ص:٢٦٨.
[٢] الدر المنثور في التفسير بالمأثور ج:٢ ص: ٥٦.