البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٨ - فصل
حزام بن خويلد بن أسد معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد و هي عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الشعب فتعلق به و قال أ تذهب بالطعام إلى بنى هاشم؟ و اللَّه لا تذهب أنت و طعامك حتى أفضحك بمكة، فجاءه أبو البختري بن هشام بن الحارث بن أسد. فقال: مالك و له. فقال: يحمل الطعام إلى بنى هاشم فقال له أبو البختري طعام كان لعمته عنده بعثت به اليه أ تمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خل سبيل الرجل قال فأبى أبو جهل لعنه اللَّه حتى نال أحدهما من صاحبه فاخذ أبو البختري لحي بعير فضربه فشجه و وطئه وطئا شديدا، و حمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك و هم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه فيشمتون بهم و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على ذلك يدعو قومه ليلا و نهارا و سرا و جهارا مناديا بأمر اللَّه تعالى لا يتقى فيه أحدا من الناس. فجعلت قريش حين منعه اللَّه منها و قام عمه و قومه من بنى هاشم و بنى عبد المطلب دونه و حالوا بينهم و بين ما أرادوا من البطش به يهمزونه و يستهزءون به و يخاصمونه و جعل القرآن ينزل في قريش باحداثهم و فيمن نصب لعداوته، منهم من سمى لنا و منهم من نزل القرآن في عامة من ذكر اللَّه من الكفار. فذكر ابن إسحاق أبا لهب و نزول السورة فيه، و أمية بن خلف و نزول قوله تعالى وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ السورة بكمالها فيه. و العاص بن وائل و نزول قوله أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَ قالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَ وَلَداً فيه. و قد تقدم شيء من ذلك. و أبا جهل بن هشام و قوله للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لتتركن سب آلهتنا أو لنسبن آلهتك و نزول قول اللَّه فيه وَ لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ الآية. و النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة- و منهم من يقول علقمة بن كلدة قاله السهيليّ- و جلوسه بعد النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في مجالسه حيث يتلو القرآن و يدعو إلى اللَّه، فيتلو عليهم النضر شيئا من أخبار رستم و إسفنديار و ما جرى بينهما من الحروب في زمن الفرس، ثم يقول: و اللَّه ما محمد باحسن حديثا منى، و ما حديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما اكتتبها، فانزل اللَّه تعالى وَ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا و قوله وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ.
قال ابن إسحاق: و جلس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- فيما بلغنا- يوما مع الوليد بن المغيرة في المسجد فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، و في المجلس غير واحد من رجال قريش فتكلم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فعرض له النضر، فكلمه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى أفحمه، ثم تلا عليه و عليهم إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَ كُلٌّ فِيها خالِدُونَ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ هُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ. ثم قام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أقبل عبد اللَّه بن الزبعري السهمي حتى جلس. فقال الوليد بن المغيرة له: و اللَّه ما قام و اللَّه ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا و ما قعد، و قد زعم محمد أنا و ما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم. فقال عبد اللَّه بن الزبعري: أما