البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٥ - باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، من مكة إلى أرض الحبشة، فرارا بدينهم من الفتنة
ابن هشام: و يقال زبرا و هو الجبل بلغتهم. ثم قال النجاشي: فو اللَّه ما أخذ اللَّه منى الرشوة حين رد عليّ ملكي، و لا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه. ردوا عليهما هدايا هم فلا حاجة لي بها. و اخرجا من بلادي فخرجا مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به. قالت: فأقمنا مع خير جار في خير دار، فلم نشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في ملكه، فو اللَّه ما علمنا حزنا حزنّا قط هو أشد منه، فرقا من أن يظهر ذلك الملك عليه فيأتى ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرفه، فجعلنا ندعوا اللَّه و نستنصره للنجاشي فخرج اليه سائرا فقال أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعضهم لبعض: من يخرج فيحضر الوقعة حتى ينظر على من تكون؟ و قال الزبير- و كان من أحدثهم سنا- أنا، فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، فجعل يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر الى حيث التقى الناس، فحضر الوقعة فهزم اللَّه ذلك الملك و قتله، و ظهر النجاشي عليه. فجاءنا الزبير فجعل يليح لنا بردائه و يقول ألا فابشروا، فقد أظهر اللَّه النجاشي. قلت: فو اللَّه ما علمنا [أننا] فرحنا بشيء قط فرحنا بظهور النجاشي ثم أقمنا عنده حتى خرج من خرج منا الى مكة، و أقام من أقام.
قال الزهري فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير عن أم سلمة. فقال عروة: أ تدري ما قوله ما أخذ اللَّه منى الرشوة حين رد على ملكي فآخذ الرشوة فيه، و لا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه؟
فقلت لا! ما حدثني ذلك أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة. فقال عروة:
فان عائشة حدثتني أن أباه كان ملك قومه، و كان له أخ له من صلبه اثنا عشر رجلا و لم يكن لأب النجاشي ولد غير النجاشي فادارت الحبشة رأيها بينها فقالوا: لو انا قتلنا ابا النجاشي و ملكنا أخاه فان له اثنا عشر رجلا من صلبه فتوارثوا الملك، لبقيت الحبشة عليهم دهرا طويلا لا يكون بينهم اختلاف، فعدوا عليه فقتلوه و ملكوا أخاه. فدخل النجاشي بعمه حتى غلب عليه فلا يدبر أمره غيره، و كان لبيبا حازما من الرجال، فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالوا قد غلب هذا الغلام على أمر عمه فما نأمن أن يملكه علينا و قد عرف أنا قتلنا أباه، فلئن فعل لم يدع منا شريفا الا قتله، فكلموه فيه فليقتله أو ليخرجنه من بلادنا، فمشوا الى عمه فقالوا: قد رأينا مكان هذا الفتى منك، و قد عرفت أنا قتلنا أباه و جعلناك مكانه و انا لا نأمن أن يملك علينا فيقتلنا، فأما ان تقتله و اما أن تخرجه من بلادنا. قال: و يحكم قتلتم أباه بالأمس و اقتله اليوم. بل أخرجه من بلادكم. فخرجوا به فوقفوه في السوق و باعوه من تاجر من التجار قذفه في سفينة بستمائة درهم أو بسبعمائة فانطلق به فلما كان العشي هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمه يتمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته ففزعوا الى ولده فاذاهم محمقون ليس في أحد منهم خير فمرج على الحبشة أمرهم. فقال بعضهم لبعض:
تعلمون و اللَّه ان ملككم الّذي لا يصلح أمركم غيره للذي بعتم الغداة، فان كان لكم بأمر الحبشة